فهرس الكتاب

الصفحة 7143 من 23694

وتفسير هذا، أن"الأصل براءة الذمة من التكاليف والواجبات -كما بينا آنفًا -حتى يرد من الشارع دليل يشغلها، ذلك، لأن الذمة خلقت بريئة من التكليف، حتى يرد الدليل الشرعي المثبت لشغلها بهذا التكليف، وهو الدليل المغيِّر للعدم الأصلي أو الناقل للذمة من براءة العدم الأصلية، وهذا معنى قولهم: الأصل العدم (50) ، أو الأصل البراءة، أي انتفاء الأحكام التكليفية التي هي منشأ الالتزامات والحقوق، انتفاؤها قبل ورود الشرع."

والحق، أن هذا حكم عقلي محض يحكم بالبراءة من التكاليف، قبل ورود الشرع، ويستمر هذا الحكم السلبي أو العدمي، في الآتي من الزمن، حتى يثبت من جهة الشرع، ما يغيره.

وعلى هذا، فلا يعتبر"العدم الأصلي"أو"البراءة الأصلية"نوعًا من الاستصحاب -على التحقيق -لأن دليل الحكم بالعدم أو البراءة، هو"العقل المحض"ودليل استمرار هذا الانتفاء، ثابت بالعقل أيضًا لا بالاستصحاب، لسبب بسيط، هو أن"العقل إذا حكم بالانتفاء أو العدم ابتداء، حكم بالاستمرار والبقاء، حاضرًا ومستقبلًا، لأنه قائم في كليهما، والحكم لا يتخلف عن دليله، ابتداء وبقاء، حتى يرد الدليل الطارئ المغيِّر الذي يقطع استمرار هذا النفي، أو البراءة، أو العدم، وهذا ليس من"الاستصحاب"بداهة، لأن"الاستصحاب"-كما علمت -إنما يتحقق مناطه، ليصح الاستدلال به، حيث لا دليل مستقلًا يقضي بالاستمرار، وما نحن فيه، دليله قائم، ومستقل منذ البداية، وهو قائم أيضًا في الحاضر، والمستقبل، وإذا استمر قيام العقل، استمر حكم العدم أو البراءة، ضرورة، والشرع جاء مؤيدًا للعقل، ابتداء وبقاء، في حكمه بالعدم الأصلي، على الخصوص، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في اعتباره نوعًا من الاستصحاب، أو عدم اعتباره."

وبذلك يتبين لك، أن القول بكون العدم الأصلي، أو"البراءة الأصلية"نوعًا من الاستصحاب، أمر فيه نظر!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت