وأما الأصل الثاني، فمؤداه: أن الطلاق إذا وقع، ثبت بيقين، غير أنه قد اعترى الشكُّ ثبوتَ الرجعة، والرجعة لا تثبت بالشك، فيقع الطلاق الثلاث، حيث لا رجعة، وهو رأي الإمام مالك، أخذًا بالاحتياط (47) .
هذا، والأرجح -في نظرنا -رأي الجمهور.
وتفسير ذلك: أن الاحتياط"لا يكون في إيقاع الثلاث، بناء على أن"الرجعة"لا تثبت بالشك، لأن ثبوت الرجعة ليس مستمدًا من الطلاق، بل هي مستمدة من عقد الزواج نفسه، وهو ثابت بيقين، وإنما الشك في رفعه، ودليل ذلك، أن"الرجعة"إنما هي"استدامة العقد"والعقد قائم يقينًا، ولا يزول اليقين بالشك، فكان الاحتياط -كما ترى -في عدم إيقاع الثلاث المشكوك فيه، إبقاء للعقد الثابت بيقين، ومنه تستمد الرجعة، ولا يُرَفعُ اليقينُ إلا بيقينٍ مثله، والطلاق الثلاث المشكوك في عدده، ليس أمرًا يقينيًا بالبداهة، وعليه، فلا يقع، ولا تأثير له على يقين أصل الحل الثابت."
هذا، وينكر ابن حزم اجتهاد المالكية في هذه المسألة، ويبطله، حيث يقول في كتابه، الإحكام:"وقال المالكيون.. إن أيقن أنه طلقها، ثم شك، أواحدة أو اثنتين، أو ثلاثًا، فهي طالق ثلاثًا..." (48) . ويبطل ابن حزم اجتهاد المالكية هذا بقوله:"فإن قالوا: إنَّ ههنا، هو على يقين من الطلاق، فقلنا نعم، وعلى شك من الزيادة على طلاقها واحدة والشك باطل" (49) .
11-تقدير موقف الأصوليين من اعتبار أنواع أخرى من الاستصحاب، وتحليلها ومناقشتها في ضوء علم الأصول وفلسفته.
ذكرنا آنفًا، أن ثمة أنواعًا أخرى من"الاستصحاب"اعتبرها بعض الأصوليين من صلبه، وضربوا لها الأمثلة التطبيقية، واستمدوا -من خلال الاستدلال بها -أحكامًا لمسائل بحثوها في مصنفاتهم"على ضوء من مفهوم تلك الأنواع، نتناولها بالبحث والتحليل، والمناقشة، لتقديرها، ووزنها في ضوء فلسفة علم الأصول."
-النوع الأول: العدم الأصلي، أو براءة العدم الأصلية.