فهرس الكتاب

الصفحة 7135 من 23694

وتفسير ذلك: أن هذا النوع الذي يُدَّعى أنه من الاستصحاب، يُثبت حكمًا جديدًا وحقوقًا مبتدأة للمستصحب المستدل به، أي ينشئ لصالحه حقوقًا على الغير، لم تكن ثابتة له من قبل، على سبيل الإلزام، وهذا معنى قوله:"ابتداء"فهو إذن حجة -عند القائلين به -للإثبات، والاستحقاق، وإلزام الغير، بما لم يكن ثابتًا للمستصحب من قبل، وهذا ما لا يقول به السرخسي، خلافًا لغيره، لعدم تحقق معنى الاستصحاب في هذا النوع المُدَّعى أنه منه، بل هو -في نظر السرخسي -خطأ محض (42) ، لأن معنى الاستصحاب، مقصورٌ عنده على"التمسك بالحكم الذي كان قائمًا في الماضي، مستتبعًا آثاره التي كانت قائمة، وثابتة في ذلك الزمن، مستصحبة في الزمن الحاضر، ولكن دون أن يقوى على إثبات أحكام جديدة مبتدأة لم تكن ثابتة من قبل، لأن هذا المعنى -في رأي السرخسي ومن معه -يخالف معنى الاستصحاب محل البحث، إذ لا يتحقق فيه مناطه، لا من قريب ولا من بعيد، فلا يكون التمسك بهذا النوع حجة ملزمة للغير في إثبات حقوق، أو أحكام مبتدأة للمستدل به، لم تكن ثابتة له من قبل، وإنما يكون للاستصحاب -في نظره -حجةً مقصور على إبقاء ما كان على ما كان، ودفع من يدعي تغيُّر الحال، حتى يأتي بالدليل المغيِّر، فلا يصلح في إثبات أو إحداث أمر لم يكن، ومثاله التوضيحي:"المفقود الذي غاب، ولا يُدرى مكانه، ولا يعرف أحيٌّ هو أم ميت، لانقطاع أخباره، وكانت حياته معلومة عند غيابه وقبل فقده، يقينًا، فتُستصحب حياته هذه التي كانت قائمة في الماضي، تستصحب إلى الوقت الحاضر، ويعتبر -استصحابًا لهذه الحال -أنه حيٌّ، لغلبة الظن ببقائه، ويكون استصحاب هذه الحال حجة في إبقاء ما كان على ما كان، للمحافظة على حقوقه التي كانت ثابتة له عند فقده، وصياتها فقط، فلا يورَث بادعاء أنه مفقود، ولا تطلق منه زوجته، إذا ما طلبت طلاقها، لغيبته وفقده، إذ لم نقطع بموته مع الظن بالبقاء، بل تحفظ له حقوقه في أمواله،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت