وأيضًا، لا وجه لما ادعاه الإمام الغزالي، من استمرار الحكم الشرعي باستمرار"السبب"الذي نصبه الشارع أساسًا له، حيث ادعى أنه نوع من"الاستصحاب"لأنا أشرنا آنفًا، أن دليل الاستمرار هو"السبب"الذي أقامه الشارع دليلًا وعلة مؤثرة في استمرار حكمه، فالدليل قائم، والاستصحاب إنما يتحقق مناطه إذا كان الاستمرار أثرًا لازمًا لدليل الوجود، لا لعلة توجب استمراره، ولا لدليل آخر مستقل يؤثر في بقائه، فوجب التمييز!
وعلى ضوء هذا، يمكنك الحكم على قول الإمام الغزالي، في اعتبار استدامة سببه، نوعًا من الاستصحاب، إذ يقول:"ومن هذا القبيل -الاستصحاب -الحكم بتكرار اللزوم والوجوب، إذا تكررت أسبابها، كتكرار شهر رمضان، وأوقات الصلوات، ونفقات الأقارب، عند تكرر الحاجات، إذا فهم انتصاب هذه"المعاني"أسبابًا لهذه الأحكام من أدلة الشرع" (30) "."
وعلى هذا، فالملك يثبت للمشتري، ويستمر حكمه، بعقد البيع نفسه -كما بيَّنا -لأن الشارع قد نصب هذا العقد، سببًا لثبوت الملك، واستمراره أيضًا، حتى يسع من شهد عقد البيع لهذا الشخص الذي انتقل إليه الملك بمقتضى هذا العقد في الماضي، أن يشهد له بالملك في الحاضر، استنادًا إلى سببه، لا بالاستصحاب، بل يستمر هذا الملك -بحكم العقد -مستقبلًا أيضًا، ما لم يقم دليل طارئ يدل على التغيير، بأن باع المشتري ما اشتراه، وانتقل ملكه إلى غيره، أو وهبه إياه، أو ورثه عنه.
وكذلك، تثبت"الزوجية"بعقد الزواج، وتستمر أبدًا، بموجب هذا السبب، وهو"العقد"المبرم في الماضي، إلى أن يقوم الدليل على إنهاء عقد الزواج بالطلاق، وكل حكم أقامه الشارع على"سبب"من عقد أو تصرف -ولو ماديا -إذا فُهم أنه أساس تشريع الحكم، بقي واستمر، واستتبع كافة آثاره، بمقتضى السبب نفسه، لا بالاستصحاب، حتى يظهر الدليل المغيِّر، تجنبًا للتخليط بين استمرار الحكم بمقتضى السبب، واستمراره بحكم الاستصحاب.