وكذلك في مثل قوله تعالى: (وما كان لُيِضلَّ قومًا، بعد إذ هداهم، حتى يبين لهم ما يتقون((27) ووجه الدلالة، أن الآية الكريمة، وإن كانت عامة في لفظها، لكن سبب نزولها خاص، يلقي الضوء على معناها، ولا يقصُر من عموم حكمها، وهو أن النبي ( لما استغفر لعمه أبي طالب، لأنه مات مشركًا، واستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين، وأنزل الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا، أن يستغفروا للمشركين( ندموا على استغفارهم للمشركين، فبينت الآية، أن استغفارهم لهم قبل التحريم، على"البراءة الأصلية"لا مؤاخذة فيه، ولا مأثم، وينبغي ألا يكونوا في حرج منه، حتى يبين لهم ما يتقون"بورود الشرع المغيِّر، وذلك من مثل مسألة الاستغفار. بعد ورود الشرع بتحريمه، لا قبله، وفي هذا -كما ترى -تأكيد للعدم الأصلي(28) ."
وعلى هذا، فإن استمرار العدم الأصلي، ثابت بمقتضى العقل، لا بالاستصحاب، والعقل قائم، ومستمر قيامه، فيستمر حكمه به، فلا وجه لاستصحاب حكم العقل، فقول الإمام الغزالي:"وإذن فالاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي، أو شرعي (29) ". قوله فيها نظر! إذ استمرار العدم الأصلي، مستمد من العقل أصالةً، وإلا ما كان حكمًا عقليًا -كما يقول -فالعقل هو دليل البقاء أصالة، وإن كان الشرع جاء مؤيدًا له، وهذا النوع من الأحكام لا خلاف في استمراره أيضًا.
7-تأييد الشرع لحكم العقل بالبراءة، لا يلغي حقيقة كون العقل هو دليل استمرار العدم الأصلي، أو استدامة الحكم بالبراءة الأصلية، حتى يرد دليل من الشرع يشغل الذمة بالتكاليف.
وإذا كان الأمر كذلك، فلا يدخل العدم الأصلي في مفهوم الاستصحاب أصلًا، من قِبَلَ أن"الاستصحاب"إنما يتحقق، حيث دليل غيره يدل على الاستمرار، وهذا يدل عليه العقل، فالدليل قائم، وبتأييد الشرع له، فشرط الاستصحاب لم يتحقق، ولا يوجد الشيء بدون شرطه المعلق عليه وجوده، بداهة.