وفي هذا المعنى يقول البزدوي، وشارح أصوله:"ثم لا خلاف، أن الاستصحاب"حكم عقلي"وهو كل حكم عرف وجوبه (ثبوته) وامتناعه، وحسنه، وقبحه، بمجرد العقل (23) "ويقول الإمام الغزالي:"دل العقل على البراءة الأصلية بشرط ألا يرد سمعٌ مغيِّر (249". أي دليل شرعي.
وجاء في روضة الناظر لابن قدامة، ما يؤكد هذا المعنى، حيث يقول:
"لأن العقل يدل على براءة الذمة حتى يقوم الدليل" (25) أي الناقل عن العدم الأصلي.
6-الشرع جاء مؤيدًا لحكم العقل بالبراءة الأصلية، أو العدم الأصلي، عند انتفاء الدليل الشاغل للذمة بالتكاليف.
قلنا، إن"العدم الأصلي"أو"براءة الذمة"حكم عقلي محض، دل العقل عليه ابتداء، ويستمر هذا الحكم بالعدم، باستمرار قيام العقل الذي حكم به، إذ الحكم يستمر بقيام دليله، ولا يتخلف عنه، حتى يرد دليل من الشرع يغيِّره، ويقطع استمراره.
غير أن الشرع جاء مؤيدًا لحكم العقل، وذلك في كثير من آي القرآن العظيم، من مثل قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه، فانتهى، فله ما سلف((26) . ووجه الاستدلال:
أن الآية الكريمة، قد أشار سبب نزولها، إلى أنه لما نزل تحريم الربا، ساورت الناس الخشية من الأموال التي اكتسبوها بالربا قبل التحريم، أي قد خالطتها أموال اكتسبت عن طريق الربا، فبينت الآية الكريمة، أن ما اكتسبوا من الربا قبل نزول التحريم، فهو على"البراءة الأصلية"حلالٌ لهم، ولا حرج عليهم فيه، وعموم الآية شامل لهذه الجزئية وغيرها، مما يدخل في معناها العام، إذ خصوص السبب، لا يقضي على عموم اللفظ.