أن الشارع الحكيم، قد ينص صراحة على إنشاء الحكم الشرعي وعلى استمراره أبدًا، في سياق النص نفسه، وذلك من مثل تشريع حكم"خَصلَة العقوبة المعنوية"للقاذف، إذا لم يأت بأربعة شهداء، فضلًا عن العقوبة المادية -وهي الجلد -في قوله تعالى: (ولا تقبلوا لهم بشهادة أبدًا(. فَقَطع لسان القاذف معنويًا -كما ترى -حكم شرعي أبدي -بالنص الصريح القاطع، ولو تاب القاذف على الراجح -ومعلوم أنه لا يُلجأ إلى الحكم بالظن الاستصحابي بالبقاء، إزاء ورود منطوق النص الصريح بذلك.
تجد هذا أيضًا، في مثل قوله -(:"الجهادُ ماضٍ إلى يوم القيامة"فكان النص الصريح أقوى استدلالًا، من لازم الدليل.
وعلى هذا، فإن الاستصحاب -في الواقع -ليس دليلًا جديدًا، وانما هو إعمالٌ لدليل سابق، أو تقرير له، عن طريق:"التلازم"بين دليل أصل الوجود، ولازمه من البقاء، وبيان ذلك:
أنه إذا كان"ظن البقاء"-وهو الاستصحاب -لازمًا وأثرًا، أو مقتضى لعين دليل الوجود، فالتلازم قائم بينهما، فحيث يوجد دليل الوجود، يستلزم ظنَّ البقاء، ما لم يوجد المغيِّر، فدل هذا"التلازم"على أن"الاستصحاب"ليس دليلًا مستقلًا، وانما هو -في حقيقته -إعمال للدليل السابق، عن طريق اللزوم، ولا ريب أن الدليل النصي الصريح، أقوى دلالة، وأجدر تقديمًا على الدليل اللزومي.
نخلص من هذا، إلى أن الأحكام الشرعية الثابت وجودها، واستمرارها بالنص الصريح، ليست محلًا للاستصحاب أصلًا، ولا هي من عناصر موضوعه، لأن قوة استمرار الحكم، قد ثبتت بمنطوق النص الصريح المثبت لوجوده، بخلاف الاستصحاب، لأن ظن بقاء الشيء، لازم عقلي لوجوده، وليس نصًا صريحًا فيه.
5-الأحكام العقلية ليست محلًا للاستصحاب أيضًا، إذ ليس مناطه متحققًا فيها، فينبغي استبعادها من أنواع الاستصحاب، وبيان ذلك: