فتلخص، أن قوة استمرار الحكم السابق الثابت بدليله ابتداءً، للحالة التي كانت قائمة في الماضي هذه القوة -في الواقع -مقتضى أو أثر لازم لعين دليل وجود ذلك الحكم، أو ثبوته، ولا تفتقر قوةُ الاستمرار هذه إلى دليل جديد مستقلٍّ يثبتها، إذِ الأصل، أنَّ ما ثبت من حكم شرعي لحالة أو شيء في الماضي، بدليله، ولم يوجد ما يغيره، ظُنَّ بقاؤه واستمرارهُ لزومًا لذلك الدليل نفسه، بعد البحث والنظر والتحري عن المغيِّر، ولم يُظفر به، إذ لو وجد لنقل إلينا عادة (17) ، وهذا الاستمرار اللزومي هو ما تقضي به سُنن الكائنات وطبائع الموجودات، والشرع لم يأت ضدًّا عليها. وتفصيل ذلك:
ان الأصل في الأحكام الشرعية - على ما بينا آنفًا -أنها إذا ما ثبتت وتحققت بأدلتها، بقيت واستمرت، لأن دليل وجودها، وتحققها ابتداء، وفيما مضى، يستلزم ظَنَّ بقائها، وديمومة سريان آثارها -حاضرًا ومستقبلًا -ما دام لم يوجد المغيِّر بعد البحث والتحري. والظنُّ القويُّ، كافٍ في الاستدلال لإثبات أحكام المعاملات، ووجوب العمل بما تستتبع من آثار، شريطة أن يبذل المجتهد أقصى وسعه في البحث عن الدليل المغير، ولم يظفر به، فيحصل عندئذ الظن بعدم هذا الدليل، وهذا بدوره يستلزم الظن بالبقاء والاستمرار، كما بينَّا.
على أن"الظن"في هذا المقام من تشريع المعاملات -وأحكامها -كما بينَّا -يُفسَّر بمعنى"العلم"و"الإدراك"بل يُنزَّل منزلتَهُ، حتى إذا حصل"العلم بعدم الدليل"استلزم"العلم بالبقاء"ضرورة، فكان الاستدلال بالاستصحاب -وهو ظن البقاء -استدلالًا بالعلم بعدم الدليل، لا بعدم العلم بالدليل -كما قيل -وهذا التمييز الدقيق بين النوعين من الاستدلال، ينبغي أن يكون مَلحَظًا معتبرًا في"حُجِّيَِّة"قوة استمرار الحكم، وديمومة استتباع آثاره الملزمة، بعد حدوثه وثبوته، على ما سيأتي تفصيل القول فيه.