وبناء على هذا، فإن"التردد"أو الشك، لا يقوى على تغيير ما كان ثابتًا في الماضي -نفيًا أو إثباتًا -فيبقى الحكم على ما كان عليه، لسبب بسيط، هو أن احتمال التغيير -في إدراك المجتهد -مساو لاحتمال عدم التغيير، وليس ثمة من دليل يرجح أحد هذين الاحتمالين، ومتى استوى الاحتمالان في إدراك المجتهد -وهذا هو معنى التردد أو الشك المشار إليه في تعريف الخوارزمي -كان ترجيح أحدهما على الآخر"تحكُّمًا"وهو ما لا يجوز المصير إليه بحال، لبطلانه في الشرع، فيحصل لدى المجتهد حينئذ"الظن بالبقاء"أثرًا للظن بعدم المغيِّر لزومًا، فتبقى الحال على ما كانت عليه في الماضي، مستوجبة حكمها الذي شُرع لها ابتداء، ويستمر هذا الحكم في الزمن الحاضر، والمستقبل أيضًا، مستتبعًا كافة آثاره، لعدم طريان المغيِّر.
يرشدك إلى هذا، أن المحقيين من الأصوليين، أدخلوا"ظن البقاء"مقوِّمًا أصيلًا لمفهوم الاستصحاب، بل جعلوه"جوهر مناطه"لأنه لازمٌ للظن بعدم الدليل المغير -كما ذكرنا -ترى هذا واضحًا في تعريف الكمال بن الهمام للاستصحاب، حيث يقول مانصه:
"الاستصحاب هو الحكم ظنًا ببقاء أمر، تحقق سابقًا، ولم يُظن عدمُه، بعد تحققه، (16) فانظر كيف جعل"ظن البقاء"لازمًا للظن بعدم الدليل الطارئ المغيِّر."
يؤكد هذا، المفهوم المخالف لعبارة الكمال، وهو أنه:"لو ظُنَّ البقاء"هو الذي ينبغي العمل به، لاستغنائه عن الدليل، بحكم الاستمرار، أثرًا لأصل الوجود، كما قدمنا.