هذا، وترى فريقًا آخر من الأصوليين، أيضا، يُنكر"حجيَّة"الاستصحاب أصلًا، دون تفصيل في"الأنواع"التي تفرعت عن أصل حقيقته -في تصور كل منهم -وفريقًا آخر يراه"حجة"في بعض الحالات دون بعض، بمعنى أنه يراه حجة، إذا كان الحكم السابق سلبيًا، لا إيجابيًا، لأدلة استندوا إليها، وستأتي مناقشتها، هذا عدا الفريق الذي يرى الاستصحاب"حجة مطلقًا"لأنه -في تصور هذا الفريق -مما يوجبه العقل، والفطرة والعرف العام في المجتمع البشري، فضلاعما استدلوا به من الإجماع، شريطة أن يبلغ"إدراك المجتهد"مستوى من الظن القوي بعدم الدليل المغيِّر، والظن كاف في الاستدلال به على إثبات أحكام المعاملات، لأنه بمنزلة"العلم"-كما قدمنا -تيسيرًا على الناس في سعيهم، لتحقيق مصالحهم في التعامل، وحفظ حقوقهم، فيجوز استصحاب الحكم السابق للحال الثابتة بدليلها في الزمن الماضي، والحكم باستمرار آثاره في الحاضر والمستقبل، بناء على ثبوته في الماضي، ما لم يقم دليل طارئ مؤثر في تغييره، وقطع استمراره.
ونحن إزاء هذه الآراء المتعارضة (10) ، في"حجية"الاستصحاب، ينبغي ِأن نُجلِّيَ"الحقيقة"ناصعة البيان، مدعمة بالأدلة، لاتصال"الاستصحاب"-باعتباره منهجًا يفضي بالمجتهد إلى تمكينه من استمداد الحلول لوقائع لا تحصى -أقول: لاتصاله بمرونة الشريعة، واقتدارها على مجابهة الوقائع المتجددة بما المستقصي، يمكن الحكم على آراء الأصوليين المتضاربة، للوصول إلى"الحق العلمي"وهذا يقتضينا، أن نحدد"مفهوم الاستصحاب"بادئ ذي بدء، فنقول:
2-تعريف الاستصحاب، لغةً، واصطلاحًا:
الاستصحاب لغة، طلب المصاحبة، واعتبارها، والمصاحبة ملحوظ فيها معنى"اللزوم (11) والمرافقة"يقال: استصحبت الكتاب، لازمته (12) ولم أفارقه، ومن هنا، قيل:"استصحبت الحال"وحكمها، إذا تمسكت بما كان قائمًا في الماضي، كأنك جعلت تلك الحال، مصاحبة غير مفارقة، حتى الزمن الحاضر، بل والمستقبل.