هذا، وتجد فريقًا آخر يشتبه الأمر عليه بين الاستدلال بالاستصحاب على استمرار الحكم الثابت به أصلُ وجود الحكم في الماضي، بدليل شرعي، وبين ما يدل العقل والشرع معًا، على وجود هذا الحكم واستمراره أيضًا، مما يدل على أن الشرع جاء مؤيدًا لحكم العقل، ولو أراد تغييره، لورد الدليل الشرعي الطارئ على هذا التغيير، ولما لم يوجد هذا الدليل، نشأ الظن القوي بإرادة استدامة (5) الحكم العقلي، واستبقائه، فيبقى على ما كان.
هذا، ويقع التخليط أيضًا، بين استمرار الحكم الشرعي بالاستصحاب، وبين استمراره، نتيجة لازمة لحكم أصل وجوده الثابت له شرعًا في الزمن الماضي ابتداءً (6) ، مما يتبين، أن المشرع، قد أقام الحكم السابق للحادثة على"سبب"اقتضى أصل وجوده، كما اقتضى استمراره معًا في الوقت عينه، فيكون استمرار الحكم، واستدامته -كما ترى -ثابتين باقتضاء"السبب"لا بحكم الاستصحاب، فينبغي ملاحظة هذا الفارق الحاسم، وهذه هي الأحكام الشرعية الممتدة. (7) .
وأيضًا، إن ما كان استمراره من الأحكام -حاضرًا ومستقبلًا -بمقتضى"سَبَبِهِ"الذي أقام الشارع نفسه الحكم على أساسه، ينبغي أن يكون هذا النوع أمرًا مسلَّمًا به شرعًا، مراعاة للسبب المؤثِّر بجعل الله تعالى في هذا الإيجاد والاستمرار كليهما، فخرج بذلك، عن أن يكون مثارًا للاختلاف في استمراره أو بقائه، وما يستوجب هذا البقاء بدوره من استتباع"الآثار"الواجب العمل بها، لقوة حجيتها، بقوة المؤثر فيها -وهو السبب -وهذا لا يمتُّ إلى"حقيقة الاستصحاب"مطلقًا، لما عرفت من أن"مناط"الاستصحاب، والاستدلال به، إنما يكون حيث لا دليل، وهذا دليله قائم، وهو"السبب"الشرعي الذي اقتضاه، بل الذي أقام الشارع الحكم عليه أصلًا.