لم تتفق كلمة الأصوليين والفقهاء على"مفهوم موحَّد""للاستصحاب"ولا على"أنواعه"التي يتحقق فيها مناطُه، ولا على مدى"حجيته"في الاستدلال الأصولي، من حيث كونه خطَّة منهجية علمية، ينبغي أن يلتزمها المجتهد، ويعمل بما تؤدي إليه من أحكام، حين لا يظفر المجتهد من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس -بعد البحث والتحري -بما يغطي به الحالة، أو الحادثة المعروضة التي ثَبَتَ لها حكم سابق في الماضي، ولا يُدرى طروءُ دليل مغيِّر لها في الحاضر، على الرغم من مرور الزمن، حتى إذا أعيا المجتهدَ البحثُ عن الدليل المغيِّر، فلم يجده، لجأ حينئذ إلى"الاستصحاب"على أنه آخر الأدلة، أو على حد تعبير الأصوليين:"آخر مدار الفتوى" (1)
وعلى هذا، فقد تبين لك، أن شرط اللجوء إلى الاستدلال بالاستصحاب أصوليًا، عن القائلين بحجيته، هو البحث عن الدليل المغيِّر لحكم الحادثة المعروضة الذي ثبت لها في الماضي، وعدم إمكان العثور عليه، أو وجدانه، فيحصل لدى المجتهد -بعد البحث والاستقصاء في المصادر التشريعية الأربعة المعروفة من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس، ولم يظفر بأي دليل مغيِّر -أقول يحصل لديه عندئذ ظنٌ بعدم الدليل، والظن بعدم الدليل المغيِّر أو المزيل، يستلزم النقيض، وهو الظن بالبقاء والاستمرار للحكم السابق، وهذا المَلحَظُ هو الذي ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار، إبَّان الاستدلال على مدى حجية الاستصحاب عند الأصوليين، على ما سيأتي تفصيله.
ونودُّ أن نشير هنا. إلى أن الظنَّ بالعدم (2) -ثمرةً للبحث والتحري، مما يستلزم الظن بالبقاء والاستمرار -ينزّل منزلة"العلم"، لأن"العلم"أو"الإدراك"مفهوم عامٌ يندرج فيه كلُّ من"اليقين"و الظن القوي"فكان الظن أو الإدراك القوي"علمًا" أو بمنزلة"العلم"وهذا كاف في حجية الاستدلال في إثبات الأحكام في المعاملات، إجماعًا، على ما سيأتي بيانه في بحث "مدى حجيَّته"."