وقد لاحظ الفيلسوف النمساوي ماخ (1838 -1916) قبل أكثر من نصف قرن تقريبًا كيف تنكَّب نيوتن عن شعاره الواضح وهو إطراح الفرضيات ودراسة الحوادث الواقعية إذ ان المكان المتجانس المطلق والزمان المتجانس المطلق والحركة المطلقة كلهن تركيبات ذهنية صرف، وليست من نتاج التجربة. إن معرفتنا التجريبية كلها انما تمس مواقع الأجسام بعضها بالنسبة إلى بعض كما تمس حركات بعضها بالنسبة إلى بعض أيضًا.
ذكر أينشتين نفسه أن السوابق التاريخية لنظريته تثوي في النقد الذي وجهه ماخ خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى ميكانيك نيوتن. وهو نقد مستوحى من مذهب هيوم (1711 -1776) التجريبي ومركّز على التنديد بفكرة المكان والزمان المطلق والحركة المطلقة وهي كلها متضمنة في نظرية نيوتن وهو مركز كذلك على التنديد بدعوى أن مبادئ الميكانيك ذات قيمة مطلقة. أبان ماخ أن هذه الأفكار لو لم يكن لها صلة بالتجربة لغدت لَغْوًا عديم الفائدة ولفقدت قيمتها العلمية والعملية. ولكن نيوتن في رأي ماخ حين تكلم في مبادئ الديناميك كان يرجع في الواقع إلى مكان وزمان وحركة هي كلها من نتاج التجربة. فالمكان كان ينسب إلى جملة النجوم الثابتة (أو التي تبدو كذلك على الأقل) والزمان كان يقاس بدوران الأرض حول محورها. وإذا كان الأمر كذلك غدت صحة مبادئ الديناميك نسبية ولزم أن تمتحن بمحكِّ التجربة. ونحن نقبل تلك المبادئ في نطاق تصديق التجربة لها. ولكنا مستعدون لتصحيحها وتبديلها إذا طرأت على تطبيقها عقبة يصعب تخطيها.
ومن هنا لزم فحص القضايا والأفكار التي اعتمدها نيوتن فحصًا دقيقًا حتى ما بدا منها واضحًا كل الوضوح كشفًا عما استندت إليه من مصادرات ولزم أيضًا كما لخص أينشتين نفسه كلام ماخ إنشاء ميكانيك على قاعدة جديدة.