من هذه الأمثلة البسيطة التي تعتمد على الحس المشترك وعلى الفنون وعلى ما جاء في الشعر يتبين ما ذهبنا إليه من تداخل المكان والزمان ومن تأثير الحركة السريعة فيهما وسنرى ذلك بشكل رياضي وعلمي في نظرية النسبية.
قلنا في البداية أن العلماء عمدوا إلى التجريد لتفهم الظواهر الطبيعية وتيسير فهمها كما جزؤوا عناصرها على النحو الذي يدعو إليه ديكارت (1596 -1650) . ولكن التجزئة والتجريد المفرطين قد يحجبان روابط وأواصر في الظواهر مهمة. وميكانيك نيوتن مثال على هذا الإفراط.
لقد قال نيوتن (1642 -1727) معلنًا شعارًا لبحوثه: أنا لا أصنع فرضيات hypotheses non fingo وحقًا تقدم العلم عند الغربيين في القرن السابع عشر والثامن عشر وما بعدهما باعتماده الملاحظة والتجريب ولكن هذا الشعار الذي أعلنه نيوتن لم يستمسك به هو نفسه.
عرض أفلاطون قديمًا في كتابه"طيماوس"نظريته في الكون وهي أنه محدود وكروي يمتد خارجه فضاء خال وغير متناه. أفكار أفلاطون هذه وغيرها تداولها المفكرون الأفلاطونيون في منتصف القرن السابع عشر بانكلترة وغدوا يتناقشون فيها بكمبردج. فأثرت تلك الأفكار في نيوتن. وعوضًا من أن يلتزم شعاره الآنف اعتبر كلاًّ من الزمان والمكان مطلقًا ومستقلًا كلاهما عن الآخر. أما الزمان فيجري جريانًا متجانسًا منتظمًا يمكن قياسه بالساعات. وأما المكان فهو ثابت ومتجانس ومشابه دائمًا لذاته، كما اعتبر الحركة أي انتقال جسم من مكان إلى آخر مطلقة أيضا. وتلك كلها فرضيات لا تمت إلى التجربة ولا إلى الواقع.