فهرس الكتاب

الصفحة 7079 من 23694

وبعد: فمتى رأيت بستانًا يُحمل في رُدن وروضة تُقَلُّ في حِجرٍ وناطقًا ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء‍! ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى؛ آمن من الأرض واكتم للسر من صاحب السر واحفظ للوديعة من أرباب الوديعة". ثم يقول متفننًا في الوصف والثناء:"ولا أعلم جارًا أبرَّ ولا خليطًا أنصف ولا رفيقًا أطوع ولا معلمًا أخضع ولا صاحبًا أظهر كفاية ولا أقل جناية ولا أقل إملالًا وإبرامًا ولا أحفل أخلاقًا ولا أقل خِلافًا وإجرامًا ولا أقل غيبة ولا أبعد من عضيهة (8) ولا أكثر أعجوبة وتصرفًا ولا أقل تصلفًا وتكلفًا ولا أبعد من مِراء ولا أترك لشغب ولا أزهد في جدال ولا أكف عن قتال من كتاب ولا أعلم قرينًا أحسن موافاة ولا أعجل مكافاة ولا أحضر معونة ولا أخف مؤونة ولا شجرة أطول عمرًا ولا أجمع أمرًا ولا أطيب ثمرة ولا أقرب مجتنى ولا أسرع إدراكًا ولا أوجد في كل إبّان من كتاب ولا أعلم نتاجًا في حداثة سنه وقرب ميلاده ورخص ثمنه وإمكان وجوده يجمع من التدابير العجيبة والعلوم الغريبة ومن آثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة ومن الحكم الرفيعة والمذاهب القويمة والتجارب الحكيمة ومن الأخبار عن القرون الماضية والبلاد المتنازحة والأمثال السائرة والأمم البائدة ما يجمع لك الكتاب" (9) ."

ربما لا نجد أحدًا من العلماء والكتاب في الشرق والغرب من وفّى الكتاب حقه من الوصف كالجاحظ. وقد شُهر الجاحظ بحب الكتب حبًا شديدًا جعله مع ذكائه الحاد من أكبر العلماء والأدباء في التراث العربي. حدث أبو هفّان:"لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنًا ما كان حتى أنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر"، كما ذكر ذلك ياقوت في ترجمته للجاحظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت