ويسمي أبو هفان مع الجاحظ علمين آخرين: الفتح بن خاقان وإسماعيل بن إسحق القاضي مولعين بالكتب أنستطيع أن نقول أن وصف الجاحظ هذا للكتاب أوحى إلى المتنبي بيته المشهور؟
أعز مكان في الدنى سرج سابح... وخير جليس في الأنام كتاب
وقد بلغ حب الكتب من قلوب الناشئين والعلماء مبلغًا عميقًا حتى إن أبا عبد الله محمد بن سلامة المقرّي خشي أن يموت دون أن يذهب ظمؤه وينقضي أربه من ذلك الحب.
إني لما أنا فيه من منافستي... فيما شغفت به من هذه الكتب
لقد علمت بأن الموت يدركني ... من قبل أن ينقضي من حبها أربي (10)
قصة الحماسة:
إن الإقبال على زيارة المكتبات والرجوع إلى المصنفات المخزونة فيها سبب من أسباب إجادة التآليف وإتقان التصنيف. منذا الذي لا يتذكر قصة تأليف الشاعر أبي تمام المتوفى سنة 231هـ لكتابه المشهور الحماسة؟ وقد قيل أن أبا تمام في اختياره أشعر منه في شعره وسبب جمعه هذا الكتاب كما يذكر حاجي خليفة في كشف الظنون أن أبا تمام قصد عبد الله بن طاهر وهو بخراسان فمدحه فأجازه وعاد يريد العراق فلما دخل همدان اغتنمه أبو الوفا بن سلمة فأنزله وأكرمه فأصبح ذات يوم وقد وقع ثلج عظيم قطع الطريق فغمّ أبا تمام ذلك وسرّ أبا الوفا فأحضر له خزانة كتبه فطالعها واشتغل بها وصنف خمسة كتب في الشعر منها كتاب الحماسة والوحشيات فبقي الحماسة في خزائن آل سلمة يضنون به حتى تغيرت أحوالهم. وورد أبو العواذل همدان من دينور فظفر به وحمله إلى أصبهان فأقبل أدباؤها عليه ورفضوا ما عداه من الكتب في معناه ثم شاع وانتشر (11) . إن تلك المكتبة عند الأمير أبي الوفا وحب أبي تمام للكتب وذوقه الرفيع كان سبب تأليف مرجع مهم في الشعر العربي هو كتاب الحماسة.