لقد تردد هذا القَرْن بين السيف واللسان في تراثنا العربي حتى بدا وكأنه مُتعلَّق كلِّ منْ يلمسُ في نفسه المقدرةَ على حسن الإفصاح وإجادة التأثير بالقول حتى ولو لم يكن شجاعًا في الأصل، كما كان الأمر بالنسبة إلى حسان بن ثابت الذي يُروى عنه أنه لم يكن شجاعًا ولا رجل حرب. أما المتنبي -شاغل الناس- فقد أفصحت نفسه الكبيرة عن شيء من هذا التصور قبيل بلوغه نهاية رحلته حين قال: الخيل والليل والبيداء تعرفني... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فاتخذ من أداة الكتابة -القرطاس والقلم- بديلًا من القول باللسان، أو بديلًا من اللسان على ما كان مألوفًا، وكأن إدراك المجد والفخر على الأقران يقتضي امتلاك ناصية الفروسية بالسيف مكتملة ببراعة اللسان، أو جمعهما في قَرَن واحد، ولعلهم من هنا امتدحوا الشاعر الفارس أسامة بن منقذ حين نسبوا إليه المجاهدة بالسيف واللسان، أو بالسيف والقلم ضد جحافل الصليبيين. وكأن لأثر اللسان إيغالًا في النفس يستعصي انتزاعه كما عبّر ابن قتيبة حين قال:
"... وقد تقطع الشجرة بالفؤوس فتنبُت، ويقطع اللحم بالسيوف فيندمل، واللسان لا يندمل جرحه، والنصول تغيب في الجوف، فتنزع، والقول إذا وصل إلى القلب لم يُنزع" (26) .
وكان النبي r خير مدرك لهذه الحقيقة المؤثرة الماثلة في العقل العربي، وقد عبر عنها -كما جاء عن كعب بن مالك مرفوعًا- بلفظ:"المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به (يعني قريشًا) نضح النبل" (27) .
وكما بدا لهم أن للسان أثرًا مرًا في النفوس عند الخصومة والتباغض، تبدّى لهم في المقابل أن له أثرًا حلوًا حين تأتلف قلوب البشر ويلتقون على المحبة والمودة، ويصور ذلك قول شاعرهم:
وإن لساني شَهْدة يُشْتفى بها... وهو على من صبّه الله علقم
ونسمع مثل هذا في الشطرة الأولى من قول الآخر:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة... ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ