فهرس الكتاب

الصفحة 7069 من 23694

والمعنى واضح في أن تأثير الكلام في النفوس متأبٍّ على المعالجة، في حين أن تأثير السيف في الجسوم يمكن أن يعالج؛ وأن جرح السيف يمكن أن يندمل بفعل الزمن، أما جرح اللسان فيبقى العمر كله يحزّ في النفس.. وهذا ما عبَّر عنه الشاعر بقوله:

وجُرْح السيف تدمُلُه فيبرا... ويَبْقَى الدهر ما جرح اللسان

ومثله قوله الآخر:

جراحات الفؤاد لها التئام... ولا يلتام ما جرح اللسان

أراد: ولا يلتئم فخفف الهمز للوزن. وغير خفي هنا أن الفكرة واحدة في الأبيات الثلاثة وهي تتلخص في كون جرح اللسان أبعد أثرًا في النفوس والقلوب، وأكثر بقاء على الأيام.. وسواء تسارق هؤلاء الشعراء الثلاثة المعنى نفسه أم وقع لهم مصادفة واتفاقًا؛ فإن في كلا الأمرين توكيدًا لتفوق تأثير اللسان في النفوس على تأثير السيف في الجسوم، وفي هذا كشف لطبيعة النفس العربية التي تسترخص الجسد وتبذله في غير ما تلكؤ أو تحرُّص، أما النفس فأبية عزيزة. إن الجسد"صورة"كما يرى الأعور الشَّنِّي:

لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه... فلم يبقَ إلا صورة اللحم والدمِ (23)

ويقول جرير في اللسان والسيف:

وليس لسيفي في العظام بقيّةٌ... ولا السيفُ أشوى وقعةً من لسانيا

فيفخر بتأثير ضربة سيفه التي لا تبقي على العظام، ولكن وقعة لسانه أشد من ذلك أذى وتأثيرًا. ويقول سويد بن أبي كاهل اليشكري:

ودعَتْني برقاها أنها... تُنزلُ الأعصمَ من رأس اليفعْ

تُسمع الحُدّاثَ قولًا حسنًا ... لو أرادوا غيره لم يُسْتَطَعْ

ولسانًا صيرفيًا صارمًا ... كحسام السيف ما مسّ قطع (24)

فيقرن بين السيف واللسان في صفات الصرم والقطع والحسم.

وقريب منه قول طرفة بن العبد:

بحسام سيفك أو لسانك والـ... كَلِمُ الأصيل كأرغب الكلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت