أخذًا بما يذهب إليه معظم علماء اللغة المحدثين من اعتقاد غالب بأن المعاني الحسية أسبق في الاستخدام من المعاني الذهنية المجردة يجوز لنا أن نرجح أن الكلْم (بمعنى الجرح) هو الأسبق، وخاصة إذا ما قدّرنا أن الإنسان لم يعرف اللغة إلا بعد أن قطع شوطًا من حياته منفردًا، لا يتعاون مع أخيه الإنسان ولا يكلمه... ثم دفعت به ضرورات الحياة فيما بعد إلى التقرب من الآخرين وإنشاء نواة الحياة الاجتماعية، فاستخدم اللغة حينذاك وسيلة تفاهم لا معدى عنها، أي عرف الكلام، لكن من المرجح أنه عرف الكلْم قبلًا، في ما مضى من حياة الوحدة والتفرد، وبالتالي كانت تسميته للكلْم أسبق في أغلب الظن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن كثيرًا من الصفات التي اشترك فيها السيف واللسان كان الزمخشري -صاحب معجم أساس البلاغة- يعد فيها ما يتصل باللسان من المجاز، والمعاني المجازية تالية -بلا شك- للمعاني الحقيقية الحسية، يقوي هذا التصور ما نجده في أمثلة كثيرة مقنعة عرفت فيها العربية سبق المعاني الحسية، ككلمة"العقل"التي تعني في الأصل الربط، وكلمة"الشك"التي تعني أصلًا الوخز، واليقين الذي يعني أصله: استقرار الماء في الحوض، يقال: يقِنَ الماء في الحوض إذا استقر فيه، والشرف الذي يعني أصلًا، المكان المرتفع.. والأمثلة كثيرة جدًا.
واستئناسًا بمثل هذا القياس نميل إلى الاعتقاد بسبق المعنى الحسي:"الكلْم"للمعنى الآخر:"الكلام".
أما من وجهة النظر الدينية فربما نجد رأيًا يعتمد على بعض ما جاء في المأثورات، ففي المسيحية نقرأ في سفر التكوين:"والله خلق من الطين جميع حيوانات الحقول وجميع طيور السماء، ثم عرضها على آدم ليرى كيف يسميها، وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه له الإنسان، فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ولطيور السماء ودواب الحقول" (5) ، وعلى هذا الأساس افتتح القديس يوحنا إنجيله بقوله:"في البدء كان الكلمة".