وبعثت قريش سفراءها إلى نجاشي الحبشة، لتفسد على مهاجرة المسلمين أمرهم، وتوقع بينهم، وبين النجاشي، وتوطد علاقتها مع ملك الأحباش، فقد أرسلت عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وعلى عادة أصحاب الحاجات فقد بحثوا عن وسيلة يتقربون بها إلى النجاشي وبطارقته، فكانت الرشوة والهدية وسيلتهم إليه، وهي الوسيلة التي غالبًا ما توسل بها تجار قريش في سفاراتهم، وقد مر معنا أن أبا سفيان حمل إلى كسرى، في وفادته عليه خيلًا وأدمًا. لذلك جمعت قريش ما يستطرف من متاع مكة، وبعثوا سفيريهم بالهدايا. فبدأ السفيران ببطارقة النجاشي، فدفعا إلى كل بطريق منهم هديته، وكلماه في أمر المهاجرين، فأتمرا معهم إذا دخلا على النجاشي، وكلماه في أمر المسلمين، أن يشير بطارقته عليه بأن يسلمهم إلى وفد قومهم، ولا يكلمهم، فإن قومهم أبصر بهم، وأعلم بما عابوا عليهم. ثم قدما الهدايا إلى النجاشي، فقبلها منهما، ثم كلماه في أمر المسلمين وطلبا منه أن يردهم إلى قومهم وآزرتهم البطارقة في ذلك، فأبى النجاشي، وطلب المسلمين ليسمع مقالتهم، فجرى حوار بين رسولي قريش ومهاجرة المسلمين على مشهد من النجاشي وأساقفته، وانتهى المجلس بأن قال النجاشي للمسلمين، اذهبوا، فأنتم شيوع بأرضي، أي آمنون، ورد على رسولي قريش هداياهم، وقال: ما أخذ الله مني حين رد ملكي علي، فآخذ الرشوة فيه. فخرج عمرو وعبد الله من عند النجاشي مقبوحين، مردودًا عليهما ما حملاه من رشوة، وأقام المسلمون عنده بخير دار مع خير جار (41) .
وبذلك أخفقت قريش في مساعيها لدى الدول المجاورة للإيقاع بالمسلمين، كما أصيبت داخليًا بالإخفاق والهزيمة في معاركها الفكرية والعسكرية معهم. وانتهت تلك المواجهة العنيدة بفتح مكة.