وإذا كان المكيون يهتمون اهتمامًا شديدًا بما يجري حولهم من أحداث في السياسة الدولية لما في ذلك من أثر في تجارتهم، فمن الجدير بهم أن يكونوا أشد اهتمامًا بما يجري في عقر دارهم، من أحداث دينية ذات أبعاد سياسية، واجتماعية، واقتصادية عميقة. فقد كانوا قبل ظهور الإسلام يرقبون بهدوء ما يقع في السياسة الدولية، ويتخذون الموقف الذي يضمن لهم مصالحهم التجارية مع كل الأطراف، ويسعى سفراؤهم في تعاظم تجارتهم مع هذه الدول ويجتنبون أمور السياسة، إلا ما يساعد منها على توثيق المعاهدات التجارية مع هذه الدولة أو تلك، شريطة ألا تضر بتجارتهم مع الدول الأخرى غير أن ظهور الدعوة الإسلامية في مكة قد زعزع استقرار قريش، وأدرك تجارها الذين يعيشون في بلهنية وترف أن ريحًا صرصرًا ستعصف بنفوذهم الديني، وسلطانهم الربوي، ومكانتهم الاجتماعية، فقد دعا النبي إلى وحدانية الله ومحاربة الأوثان وتحريم الربا، والمساواة بين الناس، فشن كفار قريش حربًا لا هوادة فيها على المسلمين، وخرج رجالهم إلى أباطرة الروم وملوك الحبشة، يسعون في استمالتهم، وكسب تأييدهم، في صراعهم مع النبي وأتباعه، فسفهوا محمدًا، وعابوا دينه، ولعلهم أوهموا ملوك هذه الدول أن الضرر قد يلحق بالاتجار معهم إذا ظفر محمد وأصحابه. وقد وفد رأس الشرك في مكة، وأحد عظماء تجارها صخر بن حرب بن أمية على"هرقل"قيصر الروم، فعرّض بالإسلام، وسب محمدًا وأتباعه، وكان علقمة بن علاثة حاضرًا ذلك المجلس، فرد عليه، وانتصف للنبي (40) .