وذكر المسعودي أن كسرى أنوشروان قد اشترط على ابن ذي يزن شروطًا، لإرسال الحملة الفارسية، منها، أن يحمل إليه خراج اليمن. وبذلك تكون اليمن قد استبدلت بالاحتلال الحبشي احتلالًا فارسيًا (19) .
أما المناذرة فتتشابه الأسباب والعوامل في نشأة إمارتهم في الحيرة مع الأسباب والعوامل في نشأة الغساسنة في الشام، فقد نشأت مملكة المناذرة في كنف الإمبراطورية الساسانية، وكان للفرس مصلحة في استقرار ملوك الحيرة، وتوطد حكمهم على حدودها الغربية، ليقوموا بدور الحراسة على حدودها، ضد اعتداءات الروم، وعملائهم من الغساسنة، ولضبط القبائل العربية، وكبح جماحها عن التطاول على السواد، والتربع فيه، ولتأمين سلامة القوافل التجارية الذاهبة من فارس إلى مكة واليمن وغيرها من أسواق العرب، والآيبة منها. وقد اتصفت الحيرة وما يليها من السواد بخصب الأرض، ووفرة المياه، وطيب المناخ، مما ساعد على استقرار حكم المناذرة وقوتهم. وقد عاش المناذرة حياة حضرية مترفة، اصطبغت بالصبغة الفارسية. واعتمدوا الأساليب الفارسية في بناء الجيش والحروب. وعرف أهل الحيرة الكتابة فاستخدمهم الفرس في أمر الترجمة بينهم وبين العرب.
ولم يكن بسط السلطان على القبائل العربية، ودخولها في طاعة المناذرة، والتزامها عدم الإغارة على السواد أمرًا هينًا، فالقبائل إذا وجدت في نفسها اقتدارًا وقوة، ووجدت في الملك ضعفًا ووهنًا، شقت عصا الطاعة، وقامت بالغزو والإغارة والسلب والنهب، فالخروج على دين الملوك طبع أصيل فيهم. لذلك وضع الفرس كتيبة من الجند تحت إمرة المناذرة، وقاموا بتقديم المساعدات المالية والأعطيات السنوية لهم.