ولم يقدم المؤرخون أسبابًا كافية لتخلي الفرس عن مساعدة ذي يزن، ولابد أن هناك أوضاعًا دولية أو داخلية، منعت الفرس من التدخل في شؤون اليمن. أما ما ذكر من تعلل كسرى بصعوبة المسلك فهو أمر غير مقنع، وركوب البحر إلى اليمن أمر هيِّن على الفرس، وقد حدث ذلك فيما بعد.
وقد طال البلاء على أهل اليمن، ثم مشت وجوهها إلى سيف بن ذي يزن، تكلمه بالخروج على حكم الأحباش. فعمد سيف إلى قيصر الروم، فخاب سعيه، حيث قال له القيصر:"الحبشة على ديني ودين أهل مملكتي، وأنتم على دين يهود" (15) .
ويدل مسعى سيف لدى قيصر الروم على عدم درايته بأمور السياسة، والعلاقات الدولية، فقد ذهب يطلب النصرة من الحليف القوي لعدوه، الذي تتحقق مصالحه باستمرار الاحتلال الحبشي لليمن. وقد ذكر النويري أن قيصر أمر لسيف بعشرة آلاف درهم، فأبى سيف أن يقبلها (16) . فإن صح ذلك، فهذا يعني أن ملك الروم رغب في اصطناع الزعامة اليمنية، وترويضها لصالح الحبشة.
وبعد وفادة سيف على قيصر، ارتحل يائسًا من ديار الروم، عامدًا إلى كسرى الفرس"أنوشروان"فلما انتهى إلى الحيرة، دخل على النعمان بن المنذر، وكلمه في حاجته، فقال له النعمان: إن لي وفادة على كسرى، وهذا حينها، فلما خرج النعمان إلى فارس اصطحب معه سيفًا، وأدخله على كسرى، فقال سيف:"أيها الملك، غلبنا على بلادنا، وغلب الأحابيش علينا، وقد جئت لتنصرني عليهم، وتخرجهم عنا، ويكون ملك بلادي لك فأنت أحب إلينا منهم" (17) فجمع كسرى رجال دولته وشاورهم في الأمر، فأشاروا عليه أن يبعث معه السجناء وعددهم ثمانمائة رجل. فجهز كسرى السجناء ولَّى عليهم راميًا شجاعًا منهم، يقال له وهرز، وحملهم في البحر في ثماني سفن. ونزل الجيش على ساحل عدن، وقاتل الفرس بأمرة وهرز، واليمنيون بأمرة سيف بن يزن، حتى انتصروا على الأحباش، وحكم سيف اليمن لكسرى وبقيت"أحرار"فارس في اليمن" (18) ."