وقد ذكر جواد علي أن حكم القيصر"اليون"دام من سنة سبع وخمسين وأربعمائة إلى سنة أربع وسبعين وأربعمائة للميلاد (5) . وبذلك تكون وفادة امرئ القيس ومنحه لقب (فيلارخ) قد وقعت في زمن الغساسنة. ونجد أن الروم قد حالفوا منافسًا قويًا لأمراء غسان، مع علمهم أن هذا الحلف سيلاقي استياء شديدًا عند حلفائهم القدامى. وعلى الرغم من أن الغساسنة يدينون بدينهم، وأن الحليف الجديد على الوثنية. فقد كان الروم يسعون إلى حماية مصالحهم الاقتصادية، ومسالك تجارتهم، وبسط نفوذهم على جزيرة العرب، وطرد النفوذ الفارسي منها، وكل سيد فتي يساعدهم في الوصول إلى هذه الغاية حليف لهم، وسرعان ما يتخلون عن هذا الحليف عندما تفتر قوته، وتضعف همته.
أما إمارة كندة التي قامت في قلب نجد بدعم ظاهر من ملوك اليمن فقد كانت موالية للروم ذات مظهر يمني، حيث أن انتزاع نجد من سيطرة المناذرة، وقيام مملكة كندة عليها كان في مصلحة الغساسنة والروم لأنه يوصل النفوذ الرومي إلى مكان جديد في جزيرة العرب. وقد روى المؤرخان البيزنطيان"ثيوفانيس وننوز"أن الإمبراطور"انستاسيوس"أرسل إلى الحارث بن عمرو، أعظم أمراء كندة، سفيرًا رفيع المستوى هو وجد الإمبراطور نفسه، فعقد معه صلحًا (6) . ويرجّح المستشرق جونار أولندر أن يكون عقد الصلح قد احتوى على قيام حلف بين الرومان والحارث الكندي على فارس وعمالها في الحيرة (7) . وكذلك نجد أن امرأ القيس الكندي الشاعر، بعد مقتل أبيه حجر، وضياع ملكه، قد عمد إلى قيصر الروم، يستمده العون على أعدائه العرب من المناذرة وبني أسد:
ولو شاء كان الغزو من أرض حِمْيرٍ ولكنه عمدًا إلى الروم أنفرا (8)