وبادية الشام أرض مكشوفة وأبوابها مفتوحة، فإذا جاء سيد قبيلة من الصحراء، طامعًا في أرض وملك، ووجد في قبيلته كثرة وشوكة، نافس أمراء الأقوام الذين نزلوا قبله. فإذا تمكن من غلبة تلك الأقوام، وفرض نفوذه على تلك الأراضي، ووجد الروم فيه شخصية قوية، تخلوا عن حليفهم القديم، وجنحوا إلى مداهنة السيد الفتي، واسترضائه، فيبرمون معه المعاهدات والاتفاقات، ويدفعون له جعالة سنوية، ويهدونه الهدايا، والألطاف، ويخلعون عليه الخلع، ويمنحونه ألقابًا مشرفة، ليتعهد بحماية مصالحهم. وقد ذكر"ملخوس الفيلادلفي"في تاريخه، أن سيد قبيلة عربية اسمه امرؤ القيس، قد ارتحل من الأرض العربية الخاضعة لنفوذ الفرس إلى أرض قريبة من حدود الروم، وأخذ يغزو منها الأرض الخاضعة للفرس والعرب المقيمين في الأرض الخاضعة للروم، وتوغل في العربية الحجرية فبلغ البحر الأحمر واستولى على جزيرة"أيوتابا"وكان الروم قد اتخذوها مركزًا لجمع الضرائب من السفن الذاهبة إلى المناطق الحارة والآيبة منها، فطرد جباة الروم، وصار يجيبها لنفسه. وقام بغزوات للمواضع المجاورة لهذه الجزيرة وأعالي الحجاز، وكذلك للمناطق الخاضعة لنفوذ الفرس، فأبدى القيصر"اليون"رغبته في وفادة امرئ القيس عليه، والتفاوض معه. فوفد امرؤ القيس إليه، فاستقبله استقبالًا حسنًا، وأجلسه على مائدته، ومنحه لقب"بطريق"وأدى ذلك إلى استياء رجال القصر من سياسة القيصر هذه مع رجل مشرك. وقبل عودة امرئ القيس إلى إمارته أهداه القيصر صورة ثمينة، وهدايا نفيسة، وحث رجال الدولة على أن يجزلوا له الهدايا والأعطيات، ثم منحه درجة"فيلارخ"على الجزيرة التي استولى عليها، وعلى جميع ما استولى عليه، وعلى أرض جديدة لم يكن قد أخذها من قبل (4) .