وبعد أن يطوي القارئ هذا الاستطراد الموفق، أو اللفتة الذكية، أو الدرس اللغوي يخيل إليه أن مؤلف التاريخ يطل عليه بابتسامة ساخرة وهو يقول له: ما رأيك يا صاحبي؟ أليس هذا افضل لك من أخبار المعارك الطاحنة، والأشلاء المتناثرة، ما لنا نحن ولذلك كله؟ إننا طلاب أدب!
هكذا يمس ابن عساكر القضايا الشائكة المتشابكة مسًا رقيقًا رفيقًا، ويحتال في صرف قارئه عنها بالبديل الصالح الكافي كما يصرف الأب الحكيم أبناءه عن مواطن الشبهة، ومظان التهمة.
فلا تلتمس عزيزيَ القارئ عند شيخك ابن عساكر حلًا لمشكلة تاريخية، أو قضية سياسية، ولو فعلت فسوف يعييك البحث، ولن تصل إلى بغيتك، لأنه سيخرج بك من أبواب خلفية ليشغلك باستطراد من استطراداته الكثيرة المتنوعة. فلك أيها القارئ الكريم كل شيء عنده إلا العصبية وأخبارها، والدول وما يحاك فيها، ويدبر حولها ليس لك في تاريخ مدينة دمشق من أمر السياسة شيء، ولا يرى مؤلفه حقًا إلا في طاعة الله، ولا باطلًا إلا في معصية الله. ومن يكون هذا شأنه كيف نلتمس لديه مواجهة الأحداث وتحليلها، ومنطق التاريخ منطق القوة، والبقاء فيه ليس للأصلح وإنما للأقوى؟!
فإلى كل حريص على الأدب والمتعة والفائدة أقدّم ترجمة عبد الرحمن الداخل في تاريخ مدينة دمشق نموذجًا حيًا في تعامل ابن عساكر مع عظماء التاريخ.
وشيء أحب أن أنبه عليه هو أن أخبار عبد الرحمن الداخل التالية هي بعض المجلد الثاني والأربعين من أصل التاريخ والذي أعمل على تحقيقه بمشيئة الله، وقد حرصت على ألا أثقل الحواشي بمستلزمات التحقيق مثل فروق النسخ، واختلاف الروايات، وكثرة التصحيف لأن هذه الأخبار أعدت للنشر في مجلة، وكل ما يتطلبه تحقيق النص سيجده القارئ ضمن المجلد المحقق، أما هنا فقد اقتصرت على الشروح والتفسيرات الضرورية. وشيء آخر هو أن نسخ التاريخ التي كانت عمدتي في التحقيق هي:
1-نسخة أحمد الثالث.
2-نسخة المغرب.