فهرس الكتاب

الصفحة 6944 من 23694

وتجاوزه عبده ميدان الأقوال إلى خضم الأعمال فتقلب في انتسابات سليمة ومشبوهة منها دخوله المحفل الماسوني، وعلى الرغم من اعتذار محمد عمارة عنه بأن الماسونية لم تكن قد عرفت أبعادها اليهودية بعد، إلا إنها تركت في تكوينه الثقافي أحاسيس ومشاعر مستغربة منها هذا الحنان المجاني على اليهود، فقال مثلًا في اضطهاد المسيحية لليهود:"فصدر الأمر في 30 مارس 1492 بأن كل يهودي لم يقبل المعمودية في أي سن كان وعلى أي حال كان، يجب أن يترك بلاد إسبانيا قبل شهر يوليو.. وأبيح لهم أن يبيعوا ما يملكون من عقار منقول بشرط إلا أن لا يأخذوا في الثمن ذهبًا ولا فضة، وإنما يأخذون عروضًا وحوالات... وهكذا خرج اليهود -تاركين كل ما يملكون- بأرواحهم، على أنه لا نجاة لكثير منها، فقد اغتالها الجوع ومشقة السفر مع العدم والفقر.." (97) .

كابد محمد عبده الإصلاحات في الأزهر والمحاكم والقضاء.. وُجِد في حياة الناس بفتاويه، وانقسم حول عالمه بين مؤيد ومعارض.. عارضه الوطنيون بتهمة ممالأة الإنكليز. وعارضه المحافظون لتسمحه في الفتاوى.. وعارضه الخديوي لأسباب صفاتية ولعلاقته بالإنكليز. وقد عانى عبده من مواقف الجميع تجاهه ومات حزينًا يداخله شعور بالإحباط ليس جديدًا عليه.

محمد عبده وغيره من رجال الإصلاح -أصابوا أم سقطوا- فإن وجودهم حتمي على رأس هذه المرحلة التاريخية، وما وجود المصلحين على رأس كل قرن إلا دليل على حياة الشعوب وحياة حضارتها وعقيدتها. وتتجلى الدعوة إلى الإصلاح فرض كفاية في دنيا المسلمين إذ لابد لكل جيل من داع أو دعاة إلى تصحيح المسار وربط الماضي بالمستقبل.. ويمضي كل جيل مع دعاته ومصلحيه، ليولد جيل جديد يحمل في أحشائه -من جنسه ومن جيله- دعاته ومصلحيه. وترتفع الأجيال السابقة منارات في ذاك الطريق الواحد، طريق وجدان الإنسان المسلم منذ فجر الدعوة المحمدية إلى قيام الساعة.

الحواشي:

(1) يراجع بشأن الدولة العثمانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت