إن البرنامج التربوي الذي يقترحه محمد عبده في التربية العقلية يتوجه إلى أفراد الشعوب الإسلامية، ولكن ومتى كانت إرادة التعليم وحدها كافية لنهضة علمية في البلاد؟ إن العلوم العقلية التي هي أساس التطور الشامل للمجتمعات البشرية ليست رهنًا بإرادة الفرد المسلم.. المجتمعات الإنسانية لا ترقى في معارج السبق المدني بإرادة الأفراد وإنما بتوفر إمكانات الدولة ومقدراتها.. ليت النهضة وقف على تعليم مدرسي وبرنامج علمي يدرس في مدارس وجامعات.
ولكن تبرز أهمية هذا الموقف الداعي إلى العلم، في أنه يزيل من طريق المجتمعات المؤهلة للتقدم العلمي حواجز متوهمة أو مغرضة تنتشر بين الجماهير أو العامة باسم الدين.
ففي دعوة الأفراد إلى الوعي العلمي، دعوة للمشاركة بالحضور الكوني وهي شعلة تحرك وتشحذ عزائم الفاعلين والقادرين. ولنا أن نقتنع بأن التطور الزمني كفيل بتحريك رواكد العقول.
الجنة المفقودة والتربية الدينية:
يظل الزمن الإسلامي الأول جنة مفقودة في كل حلم إصلاحي.. الكل يبحث في تلك الجنة عن أصول وأسباب نجاحها الديني والدنيوي.. وكل من وجد سببًا نادى به، يحدوه أمل مبعثه الاعتقاد بأن تحقق هذا السبب أو هذا الظرف يكفل للدولة الإسلامية الأولى الظهور مرة أخرى في أرض الواقع.
ونادى الخط الذي حمل محمد عبده لواءه بالعودة إلى الإسلام في بساطته الأولى، بعيدًا عن كل ما طرأ على دنيا المسلمين من ثقافات وتيارات.. ونظر هذا الخط إلى أفعال وسلوكات الجماهير أو عامة المسلمين في أواخر الدولة العثمانية، أي نظر إلى سلوك المسلم -والعقل في أوج غفوته- وقال: أساس هذا السلوك الخاطئ عقائد منحرفة. وحمَّل الوعي الديني للإنسان المسلم كل أحمال السنين الماضية وكل أثقال القوى الأجنبية المتزايدة. فلنستمع إلى عبده يقوله:"وإذا استقرينا أحوال المسلمين للبحث عن أسباب هذا الخذلان لا نجد إلا سببًا واحدًا، وهو القصور في التعليم الديني" (78) .