فهرس الكتاب

الصفحة 6935 من 23694

الجنة المنشودة هي الغرب، ذاك القوي القاهر الذي مزق ظلام القرون الوسطى بسلاح التنوير، وامتلك قيادة الكون عندما تحكم في أسبابه ومسبباته لقد قدم التاريخ الغربي لمحمد عبده وغيره من قادة الإصلاح نموذجًا مثاليًا. هذا هو الغرب -قبل أن يحتل صدر الكون- كان يعاني نفس مشاكل الشرق، وبالتالي مشى معظم مفكري عصر النهضة على جادة غايتها: ماذا فعل الغرب لينهض، ولابد لنا نحن من المشي على آثاره للوصول إلى ما وصل إليه.

نادى عبده، تأسيًا بالغرب، بالتربية العقلية التي تمكن في الفطرة العقلية للإنسان قوانين الوجود القائمة على حكمة السببية. حارب عبده كل ما خرق هذه الحكمة الكونية ابتداء من العقائد ووصولًا إلى القصص أو الروايات التي تقرأ للتسلية.

وقد سبق أن ذكرنا أراءه في العقائد التي تشتبه على العامة كالولاية والكرامة والشفاعة. بل أنكر كل ما يخرم قانون السببية أمام عقل الجماهير، فتنكر للشفاعة -من أجل ذلك- معتبرًا أنها تقف حائلًا بين العمل وعاقبته. الشفاعة بنظره تجعل المسلم غير المتمكن من أصول المعرفة الدينية يتواكل عن العمل والجد ويستريح في ظل فكرة الشفاعة (76) . ونحن إذ نحمد لعبده جهوده في تربية العقل المسلم على قوانين الحكمة الكونية، نتوقف عن موافقته في إخضاع كل العقائد الإسلامية لقانون كوني هو قانون السببية. وخاصة أن العلم الحديث نفسه بدأ يبين أدلة جديدة على أن قانون السببية ليس ساريًا على امتداد عالم الأجسام المادية، على الرغم من أنها مشهود واقع تحت الحس والمحسوس.

لذلك حين نلمس أن محمد عبده يحاسب العقائد الإسلامية ويزنها بميزان العلوم العقلية الكونية، نقول له: ليتك حافظت على ثنائية العلوم التي طرحتها. فأبحت للعقل البشري ما هو مدني، وتركت العقائد الشرعية في رعاية حماتها الشرعيين. ولكن للأسف، في حماس ثورة نقدية، ضحى -عن وعي أو عن لا وعي- بأصول وعقائد إسلامية أثبتها أئمة كبار كالشفاعة مثلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت