حتى يخلص عبده من انتقادات مشابهة لم يتوخ من العلم المطلوب -بشقيه العقلي والشرعي- مجرد تحصيل المعلومات، بل أكد على الأثر التربوي التهذيبي الذي يشيعه في الإنسان. لقد طلب وطالب علمًا بمعنى التربية التي تسهم في تطبع الإنسان بملكات يفرضها الشرع ويفهمها العقل ويذعن لها. والتربية عنده تتم على مستويين: تربية العقول بتنقيتها من الاعتقادات الرديئة، وتربية النفوس بترويضها على الصفات الفاضلة، يقول عبده في الوقائع المصرية:"من المعلوم البين أن الغرض الحقيقي من تأسيس المدارس والمكاتب، والعناية بشأن التعليم فيها، إنما هو تربية العقول والنفوس... ومرادنا من تربية العقول إخراجها من حيز البساطة الصرفة وإبعادها من التصورات والاعتقادات الرديئة، إلى أن تتحلى بتصورات ومعلومات صحيحة، تحدث لها ملكة التمييز بين الخير والشر والضار والنافع.. هذا هو الركن الأول في المدارس والمكاتب. ومرادنا من تربية النفوس إيجاد الملكات والصفات الفاضلة في النفس، وترويضها عليها... حتى يكون المتحلي بها ناشئًا على ما يوافق قواعد الاجتماع البشري ولوازمه، ومتعودًا عليه، وهذا هو الركن الثاني.. ولنترك البرهان على ذلك إلى علم كل إنسان به.. (74) ."
وهكذا نقل محمد عبده الإصلاح من الدائرة العلمية البحتة إلى دائرة التربية العقلية الشرعية. فما هي هذه"التربية الشرعية العقلية"التي تجعل إحساس الإنسان بمنافع بلاده كإحساسه بمنافع نفسه (75) على حد تعبير محمد عبده؟ ماهي هذه التربية الشرعية العقلية التي يطمح محمد عبده بأن توصله وتوصل معه شعوبنا وشرقنا الإسلامي إلى جنتين: جنة منشودة وجنة مفقودة؟
الجنة المنشودة والتربية العقلية: