وهكذا يجعل عبده العلم أساسًا لكل تطور ورقي اجتماعي. العلم سبب الثروات الفردية والوطنية والقومية، إنه وراء القوة والصولة التي يتجلى بها العالم الغربي. ويتفنن محمد عبده بتجسيد العلم بصور فنية تقربه من الأذهان وتحببه إلى الوجدان، ولا يلبث أن يضعه في مصاف الواجب الذي لابد منه. يقول:".. نحن في زمان خرج فيه العلم من الأذهان إلى الأعيان، وتنزل من مرتبته الروحانية، وتحلى في الصور الجسدانية.. وأصبح يجول (العلم) بيننا في علاه، وينادي.. ألا من سائل فأعطيه؟ ألا من فقير فأغنيه؟ ألا من طالب سلطان فيناله؟ ألا من محارب عدوان فنحدد نضاله؟ .. علوم جديدة مفيدة، هي من لوازم حياتنا في هذه الأزمان، وكافّة عنا أيدي العدوان والهوان، وأساس لسعادتنا، ومعيار لثروتنا وقوتنا، لابد لنا من اكتسابها" (72) إلى أن يخلص إلى القول بأن"العلم نافع لنا، والجهل مهلك لأرواحنا وأبداننا، (هذه) مسألة صارت عندنا من أدق النظريات (73) ."
لا يختلف اثنان في أهمية العلم وأسبقيته على كل عمل وإصلاح، ولكن السؤال يطرح نفسه، ما هو العلم المطلوب؟.
أراد عبده أن يخلص من نقد يمكن أن يوجه إليه، كما وجه إلى الخط السقراطي قبله، نقد ملخصه أن العلم غير كاف للعمل. والدليل، هاهم البشر لا يفعلون ما يعلمون صوابه. هذه القضية شارك بها مفكرو الإسلام وخاصة الغزالي، ولكنها كانت بسيطة إلى حد ما في القرون السابقة، وقت كانت معركة الخير والشر في الإنسان لا تخرج عن دائرة ذاته أي النفس دائرة ذاته أي النفس والهوى والشيطان، وإن خرجت فإلى أبعد تقدير تتحرك في دائرة بيئته وعشيرته. ولكن معركة الخير والشر اليوم فارقت حتى الحدود الإقليمية في زمن ارتفعت فيها الموانع بين القوى والدول والقارات.