وبعد أن ألحق عبده العقل بالدين، جعله تابعًا في الآفاق التي يرتادها فما سكت عنه القرآن غيب لا يصح أن يتجرأ العقل على اقتحام أعتابه، والكلام فيما سكت عنه القرآن جرأه على غيب الله بغير نص صريح متواتر عن"المعصوم" (. يقول: في تفسير سورة القارعة -منتقدًا من يحدد صفة الميزان:"قصار الأنظار الذين لا يعرفون قيمة للإيمان بالغيب ولا لحياء العقل من الله وأطراقه عن أن ينظر إلى ما تشامخ من غيوب الله، تعالى علمه وتعاظمت قدرته"(70) ومن ناحية ثانية إذا نظرنا إلى حدود العقل في العلوم الكسبية التي هي"في مقدور الإنسان"بحسب عبارة عبده، نجد أنه يظهر لنا بمظهر الفاعل القادر على إنتاج المعلومات التي تمكنه من تغيير واقعه وتكييفه بحسب التطور. ولكن لا يجب أن نؤخذ ببهرجة القول في أن العقل هو فارس العلوم الكسبية. وذلك لأنه في العلوم الكسبية تحل الأسباب والمسببات محل النصوص الشرعية في العلوم الدينية. العقل هنا، كما هو هناك في العلوم الدينية، يفهم ويدرك فقط ولا يبدع معلومات ولا ينتجها. وظيفته تظل محصورة في استنباط علاقات جديدة بين أسباب ومسببات والتحكم فيها. هذا التحكم نطلق عليه أسماء مختلفة: اكتشاف... اختراع...
وهكذا مهما مجدنا العقل فهو سلبي مقهور، لا يستطيع بالنظر أن يقدم للإنسان أفقًا جديدًا.. لا ينتج حقائق إلا فيما يقع تحت نظره. إنه أداة فهم فقط، نقدم إليه الحقائق الدينية فيستوعبها ويجتهد، نقدم إليه عالمًا محكومًا بالأسباب والمسببات فيكتشف ترابطها ويخترع.
ولا يمكننا أن نقول بإبداع إنساني إلا في فكر يفسح فيه مجالًا للعلم اللدني، وإن كان هذا العلم لا ينفرد العقل بإنتاجه.
الإصلاح!