ولكننا لا نريد أن نضع العقل في مواجهة الشرع لنختار بينهما، فذاك خيار تقادم تكراره... ولكننا نريد أن نتوقف قليلًا عند كلمة"عقل"التي يوردها عبده معرفة فيوقعها بذلك في إبهام شائع. ونسأل ما هو معنى العقل عند عبده؟ هل يختلف دور العقل في العلوم الكسبية عن دوره في العلوم الدينية؟ إذا استبعدنا كل هذه الزخرفات اللفظية التي تمجد العقل عند عبده نجد أنه لم يخرج عن خط السلف موقع العقل من العلوم الدينية. فكل العلوم الدينية عنده هي علوم قرآنية، وليس بمقدور العقل أن يستقل بمعرفتها. يقول عبده:"إن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي، الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات، والعقل هو صاحب السلطان في معرفة تلك الحاسة وتصريفها فيما منحت لأجله" (69) فالعقل الإنساني وإن توصل إلى التمييز بين الخير والشر، إلا أنه لا يسلم من الوقوع في الضلال تحت وطأة الأهواء، على حين أن الشرع منزه بضمانة"المعصوم"( كما أن أغلب الناس من ناحية ثانية محتاجون إلى هداية أوثق من هداية العقل وهي الهداية النبوية.