رأينا عبده توصل إلى القول: أن الدين فطري والتوحيد عقلي. ولكن إذا كان الإنسان يتوجه إلى الله فطريًا ويوحده عقليًا، فلماذا النبوات؟ يتوجه الإنسان إلى الله حقًا لفطرته، ولربما توصل إلى توحيده بعقله، ولكنه بعد ذلك لابد أن يتوقف ليتساءل: ما هي الأعمال التي توصلني إلى سعادة الدنيا والآخرة؟ ما هي أحوال الحياة الآخرة؟ أسئلة كثيرة لا يستقل العقل بمعرفتها. فيرسل الحق عز وجل لهذا الإنسان معينًا من جنسه حتى يفقه عنه قوله، أنبياء يحملون رسالات إلهية حتى تحدد للإنسان أسس الاجتماع البشري وسبل السعادة الإنسانية. يقول: عبده:"فالعقل البشري وحده ليس في استطاعته أن يبلغ بصاحبه ما فيه سعادته في هذه الحياة... ثم من أحوال الحياة الأخرى ما لا يمكن لعقل بشري أن يصل إليه وحده، وهو تفصيل اللذائذ والآلام، وطرق المحاسبة على الأعمال ولو بوجه ما، ومن الأعمال مالا يمكن أن يعرف وجه الفائدة فيه، لا في هذه الحياة ولا فيما بعدها... لهذا كله كان العقل الإنساني محتاجًا.. إلى معين يستعين به في تحديد أحكام الأعمال، وتعيين الوجه في الاعتقاد بصفات الألوهية، وما ينبغي أن يعرف من أحوال الآخرة... ولا يكون لهذا المعين سلطان على نفسه حتى يكون من جنسه ليفهم منه أو عنه ما يقول..." (47) كما يقول:"النبوة تحدد أنواع الأعمال التي تناط بها سعادة الإنسان في الدارين، وتطالبه عن الله بالوقوف عند الحدود التي حددتها، وكثيرًا ما تبين له مع ذلك وجوه الحسن أو القبح فيما أمر به أو نهى عنه.. وعلى أنه مثاب عليه بأجر كذا، ومجازى عليه بعقوبة كذا، مما لا يستقل العقل بمعرفته، بل معرفته شرعية... (48) ."