وإذا دققنا النظر في جملة هذه العيوب التي يراها عبده نجد أن جميعها تظهر على مستوى العقيدة، وهي نوعان: إما عقائد فاسدة ظهرت بأشكال حرمت التوحيد، وأما عقائد سليمة أخرجها عن استقامتها سوء فهم المسلمين لها. وكان من نتيجة هذه العقائد الفاسدة وهذا الفهم الخاطئ للعقائد السليمة أن تدهور مجتمع المسلمين حتى قال فيه"هانوتو"ما قال:
ولا يسعنا في ختام الكلام على نقده محمد عبده لمجتمع المسلمين إلا أن نتوجه إليه ناقدين:
أولًا-غفل محمد عبده عن قرون خمسة عاشها الإنسان المسلم في ظلام النسيان، بعيدًا عن أعين الكون، شاطحًا بالخيال تارة، وبالوهم طورًا، بالتحجر حينًا وبالتعصب أحيانًا عن أصول الإسلام. خرج المسلم من نور العلم في زمن القوة إلى غيبة الإدراك في زمن الضعف والتخلف. فكيف بعد هذه القرون الطويلة نحاسب العلوم الإسلامية وأئمة فقهاء المذاهب الشرعية في صورة سلوك الإنسان المسلم الذي عاش في نهاية الدولة العثمانية؟ كيف نطالب بإلغاء علم إسلامي -استقر بجهد عشرات السنين- لأن المسلم الذي صادفه محمد عبده في زمانه أساء فهم كلام هذا العالم.. وخاصة أن هذا الإنسان المسلم -المتهم دائمًا عند عبده- قد أساء فهم القرآن والحديث كذلك.
ثانيًا- نظر محمد عبده إلى الدين كظاهرة اجتماعية. ولأول مرة نخرج عن المألوف في الدراسات الإسلامية. قدمت لنا العلوم الإسلامية نماذج عن دراسة العقيدة ولم تخرج هذه النماذج عن دائرة علم الكلام أو أصول الفقه أو التصوف أو الفلسفة. لكننا هنا نلتقي، وللمرة الأولى مع دارس يتعامل مع العقائد الإسلامية كفاعلة في حياة المجتمع، حيث تدلل العقيدة على مصداقية صوابها بالمردود الاجتماعي الذي توفره للمجتمع.