ج-سجل لنا عبده بلفتة موفقة استفحال داء فشا بين مسلمين زمنه وهو: التكفير والتفسيق، يقول:"متى ولع المسلمون بالتكفير والتفسيق، ورمي زيد بأنه مبتدع وعمرو بأنه زنديق!.. إن ذلك بدأ فيهم عندما بدأ الضعف في الدين يظهر بينهم" (33) .
هذا مع أن الإسلام ينص في أصول أحكامه على البعد عن التكفير، يقول عبده:"... ما اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد أحكام دينهم، وهو إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر..." (34) .
د-ظهر الكسل بين مسلمي العصر، فقعدوا عن اللحوق بالأمم. ارجع عبده هذا الكسل إلى فهم المسلم الخاطئ لقاعدة"التوكل"ولعقيدة"القدر"يقول:"وعقيدة الإذعان للقدر حسبت من أسباب الانحطاط عند الشرقيين عمومًا، وعند المسلمين خصوصًا، لأنها نزعت بالأمم المعتقدة بها إلى الكسل، انتظارًا لما يأتيهم من الغيب. وبسطت أيدي أغنيائهم في الإسراف، اتكالًا على ما يسوقه عالم الغيب. ولكن ذلك سوء فهم، سبّبه سوء فهم أهل هذه العقيدة. الاعتقاد بالقدر مما يلهمك الصبر على ما نزل.. فكان من حكمة الله تعالى أن يدعو الأنفس البشرية للإيمان بقضائه وقدره، ليكون مخففًا لجزعها إذا نزلت النوائب، مثبتًا لها عند ملاقاة المصاعب... فهذه العقيدة الصالحة انقلب أثرها في أنفس المعتقدين بها إلى فساد عظيم، وليس العيب فيها ولكن العيب في الأذهان التي تلقتها. كما قال جلال الدين الرومي:"كل ما يتناوله العليل يتحول إلى علة، فاللحم مع غزارة مادة التغذية فيه وتقويته لبنية المتغذي به لو تناوله المريض بحمى التيفوس مثلًا يقتله. ولا عيب في اللحم، ولكن العيب في معدة المريض الآكل" (35) ."