نشعر من هذا الكلام حسرة عبده على غياب المجتهد الحقيقي الضالع بأمور الدين والدنيا. المجتهد الذي يواكب علمه الشرعي تطور الحياة المدنية، فيحل للناس ما انعقد من أمورها المعيشية. ويفتح لهم بذلك بابًا شرعيًا يدخلون منه إلى طمأنينة أعماقهم، بعيدًا عن الاجتهادات الشخصية التي يحاول كل فرد أن يحل بها مشاكله الحياتية.
5-نقد القراء:
حتى القرآن يجد عبده أننا بعدنا عن الإنصات لمعانيه، مأخوذين بنشوة الأصوات، يقول:"إذا كان الإسلام يدعو إلى البصيرة فيه، فما بال قراء القرآن لا يقرؤونه إلا تغنيًا.." (30) .
6-نقد المسلمين:
تتوالى مقالات عبده في نقد المسلمين.. صرخات دوت في آذان معاصريه. ووصلت إلينا سجلًا وصورة لأحوال المسلمين ومجتمعهم في أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي. وكثيرًا ما ينتقد العالم الغربي خلو المكتبة العربية مما يعرف عندهم باليوميات والمذكرات، التي تؤرخ اجتماعيًا وإنسانيًا لشريحة من الزمن. وتكاد تسد مقالات عبده هذا النقص، إذ يتلامح خلال نقده حال المسلمين في تلك الفترة ونجمل نقده للمسلمين في النقاط التالية:
أ-طغت المصلحة الشخصية على اهتمامات المسلم فصرفته عن مجريات الأحداث العامة وأبقته حبيس الأمور الشخصية يقول عبده:"انصرف المسلم عن النظر في الأمور العامة جملة، وضعف شعوره بحسنها وقبحها، اللهم إلا ما يمس شخصه منها" (31) .
ب-تسرب اليأس إلى قلوب المسلمين وفقدوا الأمل في أنفسهم وفي مستقبلهم، يقول عبده:"أكبر بدعة عرضت على نفوس المسلمين، في اعتقادهم، وهي بدعة اليأس من أنفسهم ودينهم، وظنهم أن فساد العامة لا دواء له، وإن ما نزل بهم من الضر لا كاشف له، وأنه لا يمر عليهم يوم إلا والثاني شر منه" (32) .