أطل محمد عبده على امتداد صفحاته مئات المرات ناقدًا لحال الفقهاء والمجتهدين، ويمكن أن نرجع كل هذه الانتقادات على كثرتها إلى أصلين اثنين:
الأصل الأول: اتهم عبده الفقهاء بأنهم يجعلون كتبهم أساسًا للدين، حتى أنها قامت حجابًا بين أذهان الناس وبين القرآن والسنة. فالفقهاء متهمون بأخذهم بكتب الفقه بدل القرآن والسنة. يسخر مثلًا من الحيل الشيطانية التي يلجأ إليها مانع الزكاة. يجد أحدهم -على سبيل المثال- في كتاب:"يجب الزكاة على مالك النصاب إذا تم الحول وهو مالك له"فيعمد هذا الفقيه إلى وهب ماله إلى امرأته قبل يوم أو يومين من الحول على شرط استرداده، ويعتبر ذلك فقهًا في الدين (17) .
هذه الغضبة التي غضبها عبده سبقه إليها الصوفيون، ودونها الإمام الغزالي في صفحاته، ولكنهم لم يخلصوا من هذا"الاستحلال"الفردي إلى رفض المذاهب الفقهية جملة. ولا يجرهم إلى رفض كتب الفقهاء كل مستفيد يستحل بظاهر نص من النصوص الفقهية حدود الله. إن كتب الفقهاء توضح الحلال والحرام وعلى الإنسان أن يختار لنفسه، فالداء في القارئ وليس فيما يقرأ. وقد حمّل عبده المذاهب الفقهية مغبة تعصب اتباعها لها. فقال:"إن سبب الشقاق في الأمة راجع إلى تقليد المسلمين للأئمة" (18) .
الأصل الثاني: اتهم عبده الفقهاء بالجمود والتقليد مؤكدًا ضرورة الاجتهاد، حتى يصل إلى القول بأن الكافر هو المعاند الجامد (19) . ويرى عبده، بحق، أن الناس تحدث لهم باختلاف الزمان أمور ووقائع لم ينص عليها في هذه الكتب الفقهية،"فهل نوقف سير العالم لأجل كتبهم؟" (20) .
وقد عوض عبده في زمنه هذا النقص فاندفع يجتهد في كل ما وصله من قضايا، ويشير محمد عمارة إلى أن عدد الفتاوى التي أفتى بها الشيخ عبده بلغ عددها 944 فتوى.
تجاذب الاجتهاد عند عبده ركنان: حقيقة الدين من جهة، ومستلزمات الزمان من جهة ثانية (21) يقول عثمان أمين: أشهر فتاوى الأستاذ الإمام ثلاث: