ثم رفعت عن منظر جميل ساحر، وإذا بجمال الدين ينظر إلى ساعته وكأنه نسي شيئًا ثم يقوم ويفترش جبته ويستقبل القبلة ويقول بصوت جهوري نويت أن أصلي صلاة العشاء: الله أكبر، وإذا بالأنظار تتجه إلينا في عجب ودهشة، وإذا بي أراني هدفًا لنظارات النساء وحيرة الرجال.. واستمر الرقص والغناء والكل في شغل عن الرقص والغناء.. وجمال الدين يصلي وكأنه أمام الكعبة، ثم رأيت القيصر والقيصرة والأمراء وقد التفتوا إلينا، والكل يتهامسون فيما بينهم ثم طرق الباب ودخل الجنرال جريفن وبادرني بالسؤال عن معنى ذلك... قلت له: سله بعد إتمام الصلاة..
ولما أتمها خرج إلى الردهة قائلًا: قال نبينا عليه الصلاة والسلام: لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فالله ألهمني أن أصلي في تلك الساعة وفي هذا المكان...
على أني عنفت جمال الدين بعد خروجنا من دار الأوبرا، وقلت له بصريح العبارة: لقد وضعتني في موقف حرج... فابتسم رحمه الله ابتسامته الساحرة وقال في هدوء: ماذا تريد مني؟ ألم أبلغ كلمة الإسلام إلى قلب روسيا.. فدع رسمياتك واعلم أن الإسلام لا ينتشر إلا بمثل هذه الجرأة.
والحادثة الثانية في الآستانة: أيام السلطان عبد الحميد. يقول الراوي نفسه:"دخل علينا ذات مرة أحد المتصوفين، فلما حان وقت الصلاة نبَّه (الصوفي) جمال الدين إلى ذلك (أي إلى وقت الصلاة) ، فأهمله هذا مرارًا، فلما ألح عليه الصوفي التفت إليه الأفغاني قائلًا: إذا مضت الصلاة لها قضاء ولكن ما لصحبتنا قضاء (5) ."
هذا هو الأفغاني الذي حرك سواكن محمد عبده وغيره الكثير من رجال مصر في ذلك العصر، أمثال: عبد الكريم سلمان، إبراهيم اللقاني، إبراهيم الهلباوي، محمود سامي البارودي، أديب إسحق، عبد السلام المويلحي، لطيف سليم، عبد الله النديم، وأخيرًا سعد زغلول.