فهرس الكتاب

الصفحة 6900 من 23694

ولا يهمنا كون الشيخ درويش شاذليًا أم من أتباع السنوسي، لأن أثره في حياة وتكوين محمد عبده لا يرجع إلى تحصيله العلمي وخطه الصوفي، بل إلى نمط متوازن من شخصية تفردت بالعمق دون تعقيد بالبساطة دون سطحية. الشيخ درويش هو الذي جدد رغبة عبده في العلم الحقيقي، وأحيا الهمة في موات إرادته دافعًا إياه إلى مجاهدة القشور للوصول إلى الجوهر، وعلى حد تعبير الشيخ عبده نفسه: لقد أخرجه في بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة، ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيد.

ذهب محمد عبده إلى الأزهر عام 1866م وكان بالأزهر يومئذ حزبان: شرعي محافظ وآخر صوفي، وقد حضر محمد عبده دروس كل من الحزبين، وإن كان أظهر ميلًا للشيخ حسن الطويل الصوفي الأصيل (4) .

بقي محمد عبده في الأزهر ثلاث سنوات دون فائدة تذكر، لم ينقطع خلالها عن لقاء الشيخ درويش (ت 1873م) في الإجازة كل سنة، وكان اللقاء يستمر حوالي الشهرين يستكمل فيهما معه ما بدأه.

وفي عام 1870م قدم الأفغاني إلى القاهرة، فاتصل عبده به ولازمه ابتداء من ذلك العام.

وقد كان الأفغاني ديناميكيًا مليئًا بالمفاجآت، لا يفهم لسلوكه نمط فيتكهن به ولا يعلم لانتمائه هوية فنرجع إليها فيها. ويكفي أن نورد حادثتين تتلامح فيهما قسمات شخصيته.

الحادثة الأولى: يرويها تلميذه عبد الرشيد إبراهيم يقول: كان أول اجتماعي بجمال الدين في بطرسبرج عاصمة روسيا عام 1889... وبعد بضعة أيام أبدى الأستاذ رغبة في زيارة إحدى دور التمثيل، فلما اقترحت عليه"دار الأوبرا"سألني أن أحجز له شرفة قريبة من شرفة القيصر، فحجزت الشرفة، وذهب إلى الأوبرا بالجبة والقفطان والعمامة... وبدأ الرقص والغناء والتمثيل وأنزلت الستارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت