يَرِدُ على الحنفية في استدلالهم بالآيات الكريمة التي يفيد ظاهرها إسناد النكاح إلى النساء، أن آيات أخرى، قد أسندت النكاح أيضًا إلى الأولياء، ولا دليل يرجح إحداهما على الأخرى. هذا، وأن المقصد الشرعي من الآية الكريمة ينبغي أن يُحكّم في تفسيرها، ففي قوله تعالى: (فلا جناح عليهما أن يتراجعا( المقصد الشرعي، هو إنهاء الحرمة التي ثبتت بالطلاق الثلاث، وليس المقصد منها، إسناد النكاح إليهما، إذ لم تتجه الآية إلى هذا المعنى، ولم تُسَقْ له عبارتها.
وعلى هذا، فإرادة الشارع من منطوق الآية، أنها إذا تزوجت زوجًا غيره بعد الطلاق الثلاث، -وطلقها زوجها الثاني، وانقضت عدتها منه -فلا تثريب عليهما أن يتزوجا من جديد، بعقد جديد، وهذا لا يفيد بعبارة النص، أن للمرأة حقًا في أن تتولى صيغة عقد النكاح بنفسها، لأن هذا موضوع آخر، له أدلته من الكتاب والسنّة، وردت فيه على الخصوص، وأيضًا، يحتمل أن يراد بقوله تعالى"أن يتراجعا"أي الطرفان، طرف الزوج الأول، وطرف المرأة، وهو وليها بعد إذنها في ذلك.
-أما استدلال الحنفية، بقوله تعالى: (فلا جناح عليكم، فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف(134) ( فلا يفيد أن للمرأة أن تستبد بعقد زواجها، من غير ولي، لأن كلمة"المعروف"تشير إلى أن المرأة يجب أن تستأذن وليها، لأن هذا هو الأمر بالمعروف، فتتلاقى إرادتاهما في العقد.
هذا، وقوله تعالى: (فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف( أي لا تثريب عليهن في اختيارهن للأزواج الذين يرضينهم، تفاديًا لتحكم الأولياء في أمر زواجهن، وإكراههن على تزويجهن بمن لا يرضَيْنَهُ، وليس في هذا ما يدل على عدم استبداد الولي في اختيار الزوج، أو في عقد الزواج.