ب-أما استدلالهم بحديث:"لا تزوج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها، والزانية هي التي تزوج نفسها" (123) وفي لفظ آخر للدار قطني:"كنا نقول: التي تزوج نفسها هي الزانية" (122) فإن مما يتجه على الجمهور في استدلالهم بهذا الحديث، أنه استدلال ضعيف، يوهنه، أن عبارة"أن الزانية هي التي تزوج نفسها"من كلام أبي هريرة الذي رواه، وليست من كلام الرسول (، وإنما زادها من عنده، بغية إظهار شدة الاستقباح على مخالفة العرف الصحيح السائد، وتنفيرًا للمرأة نفسها، أن تستبد بعقد زواجها، دون إذن وليها، واستطلاع رأيه في أمر زواجها، على ما هو المتعارف، فضلًا عن أن استقلالها في ذلك، واستبدادها به، مما ينسبها إلى الوقاحة عادة، أو التجرد عن فطرة الحياء أو الخَفَر التي فطرت عليها المرأة، فالعرف السائد هو مصدر هذا الاستقباح، لا الشرع، بدليل رواية الحديث بلفظ آخر عند الدار قطني:"كنا نقول..."فهو عرف قولي لا شرع سماوي، ومخالفة العرف تستوجب الكراهة لا البطلان.
هذا، وعلى فرض أن هذه العبارة مرفوعة إلى الرسول (، فإنما تدل على"استقباح"أن تستبد المرأة بمباشرة عقد زواجها بنفسها، وهو أدب من الآداب الإسلامية، بل قد وردت آثار كثيرة من الصحابة بهذا المعنى، فكان مستحبًا لا واجبًا.
-وأيضًا، مما يدل على عدم اتساق معنى هذا الحديث، إن التي تباشر عقد زواجها بنفسها، لا تعد زانية بالإجماع! بل العقد يغدو فاسدًا، لا باطلًا، وفساد العقد يستوجب التفريق، قبل الحمل أو الولادة، كما هو معروف، ولا أثر له كالباطل، وأما بعد الدخول، فيستوجب المهر والعدة (124) .