أولًا: يتجه على الجمهور في استدلالهم بحديث:"لا نكاح إلا بولي" (106) أنه مختلف في وصلة وإرساله (107) ، ومعلوم أن الحديث المرسل مختلف في الاحتجاج به، أو في شروط هذا الاحتجاج، ولاسيما في مذهب الإمام الشافعي -وهو من الجمهور- غير أن الإمام الشوكاني، قد أشار إلى أن ابن حبّان، والحاكم، قد صححاه، بل قد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ( وسرد تمام ثلاثين صحابيًا(108) .
هذا، وحكي عن بعض النقلة، أن ثلاثة أحاديث لم تصح عن رسول الله ( وعدّ من جملتها، حديث:"ولا نكاح إلا بولي"ولهذا لم يخرج في الصحيحين(109) .
ووجه استدلال الجمهور بحديث:"لا نكاح إلا بوليّ، وشاهدي عدل"قد فصلناه سابقًا، ومؤداه بإيجاز: أن النفي في قوله (:"لا نكاح"يتوجه إلى"الذات الشرعية"(110) التي هي الإيجاب والقبول (العقد) ونفي الذات الشرعية، يعني انتفاء الوجود الشرعي للتصرف، فيبقى الوجود الحسي (صورة العقد) وهذا لا قيمة له، ولا اعتبار، إذ قيمة العقد -في نظر الشارع- مشروعيته التي تنهض بها أركانه وشروطه، وقد انتفت هذه المشروعية، بسبب انتفاء شرط منها، وهو مباشرة الولي، فكان معدومًا شرعًا، والمعدوم شرعًا، كالمعدوم حسًا، وهذا هو البطلان، وهو ما أكده حديث عائشة -رضي الله عنها-:"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل، باطل"هذا إذا انصبّ النفي على الذات الشرعية للتصرف" (111) ."
أما إذا اعتبرنا"النفي"منصبًا على"الصحة"لا على"الذات"كان العقد"فاسدًا"وأنت تعلم، أن الفساد في عقد الزواج خاصة، يرادف البطلان (112) على الصحيح، لمكان معنى التعبد فيه، فلا أثر له قبل الدخول، ولكن يترتب عليه بعض آثار العقد الصحيح، إذا تم الدخول عند بعض الفقهاء، لاعتبارات تتعلق بحق الحمل، وحق المرأة، وحق النسب، وليس هنا، مجال بحثها.