رابعًا: إن استدلال الجمهور بقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا( على وجوب اشتراط الولاية في عقد الزواج، لا يستقيم، من قِبَلِ أن منطوق الآية الكريمة جاء بالنهي الذي موجَبُهُ التحريم والمنع، إذ لا صارف عن موجبه الأصلي هذا، ولا ريب أن المنع والتحريم بالشرع، وهذا يوجب أن يستوي فيه الأولياء وغيرهم، فانتفى بذلك أن يكون في هذه الآية مستند للجمهور في التدليل على مدعاهم، فضلًا عن أن ينتهض منها ما يرجح أن يكون الخطاب موجهًا إلى أولياء النساء خاصة، فلا يكون لهم بالتالي سبيل، أو حق من الولاية على من يلونهم من النساء في عقود زواجهن، ومن ثم لا وجه لاشتراط الولي الخاص للمرأة في صحة عقد زواجها.
خامسًا: على أن الأظهر والأحرى -كما يقول ابن رشد- أن يكون الخطاب موجّهًا إلى جميع المسلمين، أو إلى أولي الأمر فيهم، من أن يكون موجهًا إلى أولياء النساء خاصة، حيث يقول ما نصه:"وكذلك قوله تعالى: (ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا( هو أن يكون خطابًا لأولي الأمر من المسلمين، أو لجميع المسلمين، أحرى منه، أن يكون خطابًا للأولياء"(96) .
سادسًا: على افتراض أنّ الخطاب في الآية الكريمة (ولا تُنحكوا المشركين حتى يؤمنوا( موجه إلى الأولياء خاصة، أو التسليم جدلًا بذلك، فإنه يلزم عنه"محظور"ذلك لأن نص الآية الكريمة، جاء"مجملًا"غير مفصل، ومن المقرر أصوليًا، أنه لا يصح العمل بالمجمل قبل البيان، فالشارع لم يبين فيه أصناف الأولياء، ولا صفاتهم، ولا مراتبهم(97) ، والبيان -كما هو معلوم- لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، ولاسيما ما نحن بصدد البحث فيه، من مثل الولاية في عقد الزواج، لأنه أمر تعم به البلوى، ويكثر وقوعه، وفي هذا -ولا ريب- دلالة على أن الخطاب ليس موجهًا إلى الأولياء خاصة على الأظهر، رفعًا لذلك المحظور، وتفاديًا للوقوع فيه.