هذا، والإنكاح هو تولي إنشاء عقد النكاح ومباشرة إبرامه، وقد خاطب الله تعالى الأولياء به، وأضافه إليهم، والأصل في الإسناد أن المسند إليه هو الفاعل الحقيقي، هذا الإسناد يدل على أن"الحق"لهم، ولا يتولاه غيرهم (86) ، بل لا يصار إلى غيرهم إلا مجازًا، والأصل في الكلام الحقيقة، والمجاز خلاف الأصل، وهو تأويل لا يصح إلا بدليل، ولا دليل، وإلا ارتفع الأمان عن اللغة.
وإذا ثبتت الولاية بمقتضى منطوق الآية الكريمة وغيرها التي تسند الإنكاح إلى الأولياء -حقًا للولي على موليته في تزويجها- انتفى أن يكون للمرأة حق في أن تباشر عقد زواجها لنفسها أو لغيرها، فلا ينعقد النكاح بعبارة النساء أصلًا، أقول يتجه على الجمهور في استدلالهم هذا، ما يلي:
آ-مناقشة أدلة الاتجاه الأول، ومدى صلته بالإعفاف العام
أولًا: إن الخطاب في الآية الكريمة التي تلونا، من قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم (( 87) يحتمل أن يكون موجهًا إلى عامة المسلمين (88) ، أو إلى أولي الأمر فيهم (89) ، أي إلى الولي العام، لا إلى الولي الخاص للمرأة من عصباتها، حتى يكون مأمورًا بمباشرة عقد الزواج على موليته، وإذا كان هذا محتملًا، فمن المقرر أصوليًا، أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال، سقط به الاستدلال، فلا حجة للجمهور إذن في هذه الآية الكريمة التي استدلوا بها على مدعاهم، من كون الولي الخاص، شرطًا في صحة عقد النكاح، لمكان الاحتمال الذي يسقط به الاستدلال، كما رأيت.
وما يقال في هذا الدليل، يقال في غيره أيضًا، إذا احتمل أن يكون الخطاب فيه موجهًا إلى المسلمين عامة، أو أولي الأمر في الأمة، لا إلى الأولياء خاصة (90) .