فهرس الكتاب

الصفحة 6849 من 23694

هذا، ونظرية التعسف في الفقه الإسلامي مدعمة الأصول (43) ، منبسطة الظل على كافة أنواع الحقوق، لاتصالها بمفهوم العدل فيه، ولا يشفع لذي الحق -إذا أضر بغيره- ادعاؤه أنه يستعمل حقه، وهو أمر جائز، والجواز ينافي الضمان والمسؤولية، كل هذا مقبول ما لم يكن ثمة تعسف، وانحراف عن الغاية التي وضعها المشرع للخطبة، ولا ريب أن الضرر والأذى دون وجه حق، أمر خارج عن تلك الغاية، وانحراف عنها، ولا نقصد بالتعسف إلا هذا، وغاية الحق تمثل الوظيفة الاجتماعية التي ينبغي أن يحققها صاحب الحق إبان استعماله لحقه، وإلا كانت الحقوق معاول للهدم، ووسائل للضرر، وليست ذات وظائف اجتماعية، ولا يقول بذلك عاقل، فضلًا عن الشارع الحكيم.

هذا، والضرر -في حد ذاته- ممنوع في الفقه الإسلامي إيقاعًا ووقوعًا، بقطع النظر عن منشئه، إذا كان بغير حق، لعموم قوله (:"لا ضرر ولا ضِرار"وهذا من"حقائق التشريع الثابتة"بل هو أصل عام حاكم على التشريع كله، وتؤيده جزئيات وكليات لا تحصى كثرة(44) ، فكل حق -في الفقه الإسلامي- مقيد بمنع الضرر، قصدًا أو مآلًا، أيًا كان منشؤه، كما أسلفنا، عملًا بعموم القاعدة"لا ضرر ولا ضرار"أما الأضرار التي تلحق بالمخطوبة، وقد تسببت هي في نشوئها، كخروجها هي عن تعاليم الشريعة وآدابها، فمثل هذا لا يوجب المسؤولية في التعويض، لأنها أفعال محرمة، بل توجب مسؤوليتها هي ديانة عن التفريط في حق نفسها، والخروج على حدود الأخلاق والآداب، فالشريعة لا تحمي من ينتهك حرمة تعاليمها.

والواقع، أن العدول عن الخطبة، بما هو استعمال لأمر مباح في الأصل -يتعلق به دليلان: أحدهما خاص، والآخر عام (45) .

أما الخاص: فهو ما قدمنا من الأدلة التي تنهض بكونه أمرًا مباحًا، لأنه استعمال لحق شخصي تقديري، ناشئ عن طبيعة الخطبة ذاتها، بوضع الشارع، ولا يمس حقًا لأحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت