وإلا كان استعمال الحق لغير غاية، وهو عبث أو تحكم، فضلًا عن أنه مناقض لقصد الشارع، وكل ذلك غير مشروع يستوجب المسؤولية عما ينجم عن هذا التعسف في استعمال الحق من ضرر يلحق بالغير، ومن ثم لا تحمي الشريعة حقًا إلا بقدر ما يحقق صاحبه من الغرض الذي شرع من أجله، وتظل حمايتها للحق مبسوطة ما دام صاحبه يستعمله على الوجه الذي من شأنه أن يحقق غايته، لا ينحرف عنها، فالحق إذن مقيد بالعرض الذي شرع من أجله، وليس مطلقًا.
وتأسيسًا على هذا، فإن الشارع، إذ منح حق العدول، فلا يبرر هذا المنح استعماله على وجه ضار، بباعث غير مشروع، أو قصد شيء، لإلحاق الأذى بالغير، تحت شعار الحق، إذ الحق لم يشرع أصلًا ليتخذ وسيلة للإضرار بالغير، بل شرع لمصلحة جدية مشروعة ومعقولة، تحقق غرضًا اجتماعيًا وإنسانيًا مقصودًا للشارع تحقيقه، وهو هذا تمكين كل من طرفي الخطبة من التعرف على الآخر، ليكون على بيّنة من أمره، لينشأ عقد الزواج على أساس متين، حتى إذا استعمله وهو ينوي غير هذا الغرض، أو مارسه في ظرف غير مناسب بحيث أفضى ذلك إلى الإضرار بالطرف الآخر، ولو دون قصد منه إلى إيقاعها، بل لزمت ووقعت نتيجة حتمية لعدوله في مثل ذلك الظرف، كأن سافر إلى بلد أجنبي لطلب العلم، ومكث عدة سنوات التقى خلالها بأخرى أجنبية، من ذلك البلد، وتزوج بها، وفسخ خطبة الأولى ولم يكن قد صدر منه أفعال ضارة من التغرير، أو قصد الإضرار بها، ولكنه بتصرفه على هذا الوجه يحتمل أن يكون قد فوّت عليها الفرصة لتقدم الخطاب إليها، إذ قد تكون تقدمت في السن، أو أثيرت حولها الشكوك من جراء هذا العدول، بعد فترة غير قصيرة، حتى إذا وقع هذا، اتجهت عليه المسؤولية عما لحق بها من ضرر.