ج-من المقرر في الفقه الإسلامي أن"الجواز الشرعي ينافي الضمان"أي أن من يمارس حقًا مشروعًا له، أو إباحة، لا يكون مسؤولًا عما يترتب على ذلك من ضرر، لأن الجواز ينافي المسؤولية، وإنما تنشأ المسؤولية عن المجاوزة والاعتداء، والخاطب لا يعتبر معتديًا إذا استعمل حقه في العدول.
ثانيًا- وذهب فريق آخر إلى أن حق العدول مجردًا، لا تترتب عليه مسؤولية، غير أنه إذا صاحب هذا العدول أفعال أخرى ضارة، كالتغرير مثلًا، نشأت المسؤولية والتعويض عن هذا الفعل الضار المقارن للعدول، لا عن مجرد العدول، وذلك بأن أغراها بالاستقالة من وظيفتها مثلًا بعد أن أكد لها أنه مقدم على الزواج بها، وإن تأخره عن إبرام العقد إنما كان لأسباب مالية، أو حثها على شراء جهاز البيت، وزين لها ذلك، بعد أن طمأنها على إبرام العقد، أو جاء بأقوال مختلفة ليبرر عدوله، مما يمس سمعتها، ولم تثبت، فأضر بها ضررًا أدبيًا بليغًا، فمثل هذه الأفعال الضارة المصاحبة للعدول، هي منشأ المسؤولية والتعويض، لا مجرد العدول، لأنه حق مقرر شرعًا لا اعتداء فيه، ولا مسؤولية، تطبيقًا للقاعدة السابقة المشار إليها.
ثالثًا-وذهب فريق ثالث إلى أن العدول إذا أدى إلى إلحاق الضرر بالطرف الآخر، ولو مجردًا عما يلابسه من أفعال ضارة، يوجب المسؤولية، والتعويض عن الأضرار المادية أو الأدبية الناجمة عنه، لأنه ضرب من التعسف في استعمال الحق، ونحن مع هذا الرأي، ونؤيده بما يلي:
أولًا- ليس في الفقه الإسلامي حق مطلق، بحيث يتصرف فيه صاحبه كيف يشاء دون رعاية لحق الغير، أو دون استهداف الغاية النوعية المرسومة التي شرع من أجلها هذا الحق، لأن الشارع يرسم لكل حق غاية معينة، على المكلف أن يتغياها إبان استعماله لحقه، فينبغي أن يكون قصد ذي الحق في الفعل، موافقًا لقصد المشرع في التشريع (42) .