فهرس الكتاب

الصفحة 6844 من 23694

قدمنا آنفًا، أن جواز النظر إلى المخطوبة -وكذلك نظرها إليه- إنما ورد به النص استثناء من الأصل العام الذي يقضي بالتحريم، للضرورة، ومعلوم أن الاستثناء، لا يتوسع فيه، ولا يقاس عليه، فبقي ما عدا النظر على أصل التحريم، ولا ضرورة في الخلوة، فكانت على أصل التحريم، إذ لم يجزها نص ولا حكمة، بل الحكمة تحرّمها، لأنها ذريعة إلى الوقوع فيما حرم الله، فلا تؤمن مغبة الخلوة دون حضور محرم، إذ يحول حضوره دون التجانف إلى الإثم ومقارفة المعصية، كما قدمنا.

وعلى هذا، فلا يجوز لهما الخلوةُ أو التقبيلُ، أو الذهابُ منفردين إلى المنتزهات ودور اللهو، أو ما إلى ذلك، لأن هذا خروج عن حدود آداب الخطبة التي شرعها الإسلام، تفاديًا للعواقب الوخيمة التي تترتب على مثل تلك المحاذير، والوقائع تتحدث عن نفسها.

وأما الحجة التي يستند إليها فريق من الناس، في استباحتهم الانفراد والخلوة، تفريطًا وتهاونًا، من أن تمام التعارف والتفاهم يقتضي ذلك، فهي حجة واهية، إذ كل من الخاطبين -كما نعلم- يعمد عادة إلى التكلّف والتظاهر بما ليس فيه حقيقة، ولذا قيل"كل خاطب كاذب"ولأن مثل تلك الأمور المحظورة مدعاة إلى الوقوع في المعصية والإثم، والخطبة ليست ملهاة، أو فرصة للتنفيس عن منازع الرغبات، بل شرعت وسيلة جدية لمصلحة حقيقية معقولة، ليكون كل منهما على بينة من أمر الآخر، تحقيقًا للتقارب والائتلاف، فمغبة التفريط إذن واقعة على الفتاة بوجه خاص، فالشارع لم يكن متزمتًا، إذ أباح النظر والاجتماع بحضور محرم، ولم يكن مفرطًا، إذ منع الخلوة والخروج عن حدود الآداب، بل كان وسطًا بين التزمت والتفريط، وهو موقف في غاية الحكمة والرشد وسداد التوجيه.

على أن التبذل يورث الشك في مبلغ الحصانة والعفة، الأمر الذي يستدعي العدول، وفسخ الخطبة غالبًا، فكان هذا التوجيه في مصلحة المرأة أولًا، وإبعادًا لها عن مظان التهم وسوء الأقاويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت