فهرس الكتاب

الصفحة 6787 من 23694

إن رأي إقبال في الجمال أن يسخر المادة الحسية لخدمة الذات الروحانية ولهذا يتخذ المظاهر الطبيعية وسيلة للتعبير عن مشاعره وأفكاره وآلامه وآماله فهو دائم التفكير جياش المشاعر، ليس لتغريده فصل محدود ولا تنتظر أفنانه فصل الربيع لتورق وتزهر فيه.. إنه بحر متلاطم الأمواج يبوح بما في نفسه من آلام ويتمنى أن يصغي قومه إلى ألحانه وأشجانه:

مابال أغصان الصنوبر قد نأت

عنها قماريها بكل مكان؟

وتعرت الأشجاب من حلل الربا

وطيورها فرّت إلى الوديان

يا رب إلا بلبلا لم ينتظر

وحي الربيع ولا صبا نيسان

ألحانه بحر جرى متلاطمًا

فكأنه الحاكي عن الطوفان

يا ليت قومي يسمعون شكاية

هي في ضميري صرخة الوجدان

فهل هناك جمال أروع مما تبديه هذه المقطوعة الشعرية من صور توحي بها الطبيعة إلى الشاعر فيصهرها في بوتقة آلامه وآماله ويسمعنا ألحانًا تعزف على أوتار القلوب وتوقظ المشاعر النائمة والعيون الساهية؟! وهذه صور أخرى مبتكرة يغدقها الشاعر على الطبيعة ليستمد منها الدروس والعبر:

وشجا الهدهد النواح فوافى

قال أخرج من كل خسرك ربحًا ... مزّق الورد صدره للعبير

واجعل الجرح بلسمًا فسترضى ... وألف الشوك تَغْدُ كُلَّكَ روضا

إنه يتصور أن الهدهد حزن حين سمع نواح الضعيف المهيض الجناح، وراح ينزع الشوك الذي يؤلمه وينصحه أن يحوّل المحنة إلى منحة كما يفعل الورد حين يمزق صدره ليمنح الجو عبيرًا ذكيًا يسرُّ الناس جميعًا. كما ينصحه أن يتدرب على معايشة الألم ويروض نفسه على معاناته كما يعايش الورد الشوك ليكون مثله روضًا جميلًا وعطاء نبيلًا.

لقد أولع إقبال بالطبيعة في مختلف أشكالها: جبالها وأوديتها، شعابها وأنهارها، مياهها ورمالها، وسائر مظاهرها وأحوالها ومزج شعوره وأحاسيسه وفلسفته بها لنسمعه كيف يصور رحلة النهر من منبعه إلى مصبه ويجسد فيه قصة الإنسان من البداية حتى النهاية فيقول:

من رؤوس الجبال ينحدر النهر ... طروبَ الأمواج عذبَ الأغاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت